موسى عليه السلام كما ذكر في القرآن من قوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
[ مريم : 65 ] ، وقوله :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 26 ] ، وقوله :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما
[ الشعراء : 28 ] .
* * * وهنا سرّ كبير ، فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحدّ الذّاتي ، فجعل الحدّ الذّاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم ، أو إلى ما ظهر فيه من صور العالم . فكأنّه قال له في جواب قوله :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 23 ] قال الّذي يظهر فيه صور العالمين من علو - وهو السماء - وسفل - وهو الأرض -
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
[ الشعراء : 24 ] أو يظهر هو بها .
فلمّا قال فرعون لأصحابه :
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
[ القلم : 51 ] كما قلنا في معنى كونه مجنونا .
زاد موسى في البيان ليعلم فرعون مرتبته ( * ) في العلم الإلهيّ لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك فقال :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
فجاء بما يظهر ويستتر وهو الظّاهر والباطن ، وما بينهما وهو قوله :
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
[ الشعراء : 28 ] أي إن كنتم أصحاب تقييد ؛ فإنّ العقل يقيّد .
وهنا في ذكر الربوبية المضافة التي هي كناية عن العقل الإلهي سر كبير من أسرار اللّه تعالى فإنه ، أي موسى عليه السلام أجاب بالفعل لمن سأل وهو فرعون عن الحد ، أي التعريف الذاتي بقوله :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء :
23 ] فجعل ، أي موسى عليه السلام الحد الذاتي لماهية اللّه تعالى وحقيقته عين إضافته ، أي نسبته تعالى إلى ما ، أي الذي ظهر تعالى به من صور العالم ، أي المخلوقات أو إلى ما ظهر ، أي تبين فيه ، أي في الحق تعالى من صور العالم فكأنه ، أي موسى عليه السلام قال له ، أي لفرعون في جواب قوله ، أي فرعون
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
قال ، أي موسى عليه السلام الذي تظهر فيه صور العالمين من غير حلول فيه ، لأنها عدم وهو وجود صرف مطلق ، والعدم لا يحل في الوجود والوجود لا يحل في العدم من علو بيان للصور وهو ، أي العلو السماء ومن سفل وهو ، أي السفل الأرض إن كنتم موقنين باللّه تعالى أو الذي يظهر هو تعالى بها ، أي بصور العالمين من علو وسفل كما ذكر فلما قال فرعون لأصحابه الحاضرين عنده إنه ، أي موسى عليه السلام
لَمَجْنُونٌ
[ الحجر : 6 ] كما قلنا