ولدته فإن أم الولادة حملته ، أي ولدها فهو على جهة الأمانة فيها لأبيه لا لها كما قال تعالى :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
[ الأحزاب : 5 ] ، وقال تعالى :
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
[ البقرة : 233 ] ، وقال تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها
[ هود : 6 ] وهو الموضع الذي تستقر فيه ، أي تسكين ومستودعها ، أي الموضع الذي أودعت فيه وهو رحم أمها فيرزقها ولا ينساها .
فتكوّن بالتشديد ، أي أنشىء وخلق فيها ، أي في أمه يعني في بطنها وتغذى ، أي اقتات بدم طمثها بالمثلثة ، أي حيضها ، ولهذا كانت الحامل لا تحيض ، وما رأته من الدم من زمن حملها فهو استحاضة وليس بحيض ، لأن الجنين يأكل دم الحيض في بطنها من غير إرادة لها ، أي لأمه في ذلك ، أي في التغذي بدمها حتى لا يكون لها ، أي للام عليه ، أي على ولدها امتنان ، أي فضل وإنعام بذلك فإنه ، أي الجنين ما تغذى في بطن أمه إلا بما ، أي بدم لو لم يتغذ ذلك الجنين به ولو لم يخرج عنها ، أي عن الأم ذلك الدم الفاسد المحتبس في رحمها لأهلكها باستيلائه على قلبها وأمرضها بأمر آخر من أمور تصرفه في بطنها .
فللجنين المنة ، أي الفضل على أمه الحاملة به بكونه ، أي الجنين تغذى بذلك الدم في رحمها ولم يتركه يضرها فوقاها ، أي حفظ أمه بنفسه حيث أكل دمها من الضرر الذي كانت ، أي أمه تجده لو امتسك بالبناء للمفعول أي بقي ذلك الدم عندها في بطنها ولا كان يخرج منها ولا كان يتغذى به ، أي بذلك الدم جنينها والمرضعة للولد ليست كذلك ، أي ما هي كأم الولادة فإنها قصدت برضاعته لبنها الذي هو جزء منها حياته ، أي الولد وإبقاءه في الدنيا بوصف الصحة والعافية .
* * * فجعل اللّه تعالى ذلك لموسى في أمّ ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلّا لأمّ ولادته لتقرّ عينها أيضا بتربيته وتشاهد انتشاءه في حجرها ،
وَلا تَحْزَنَ
[ طه : 40 ] .
ونجّاه اللّه تعالى من غمّ التّابوت ، فخرق ظلمة الطّبيعة بما أعطاه اللّه من العلم الإلهيّ وإن لم يخرج عنها .
وفتنه فتونا أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقّق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللّه به .