( 24 - فص حكمة إمامية في كلمة هارونية )
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
[ البقرة : 124 ] أي خليفة عليهم .
هذا فص الحكمة الهارونية ، ذكره بعد حكمة لقمان عليه السلام لاشتمال حكمة هارون عليه السلام على بيان ظهور العين الواحدة في صور كثيرة ، فناسب ما ذكر من ذلك في حكمة لقمان عليه السلام على طريق زيادة البيان والإيضاح لذلك .
فص حكمة إمامية ، أي منسوبة إلى الإمام وهو المقتدى به ولو في نوع من الكمال في كلمة هارونية إنما اختصت حكمة هارون عليه السلام بكونها إمامية ، لأنه عليه السلام كان خليفة عن أخيه موسى عليه السلام في قومه لما ذهب إلى ميقات ربه لقوله سبحانه :
وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
[ الأعراف : 142 ] ، والخليفة إمام يقتدى به .
* * * اعلم أنّ وجود هارون عليه السّلام كان من حضرة الرّحموت بقوله تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا
يعني لموسى :
أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا
[ مريم : 53 ] . فكانت نبوّته من حضرة الرّحموت .
فإنّه أكبر من موسى سنّا ، وكان موسى أكبر منه نبوّة . ولمّا كانت نبوّة هارون من حضرة الرّحمة ، لذلك قال لأخيه موسى - عليهما السلام - :
يَا بْنَ أُمَّ
، فناداه بأمّه لا بأبيه إذ كانت الرّحمة للأمّ دون الأب أوفر في الحكم .
ولولا تلك الرّحمة ما صبرت على مباشرة التّربية .
ثمّ قال :
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
[ طه : 94 ] ،
فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ
[ الأعراف : 150 ] فهذا كلّه نفس من أنفاس الرّحمة . وسبب ذلك عدم التّثبّت في النّظر فيما كان في يديه من الألواح الّتي ألقاها من يديه .
اعلم يا أيها السالك أن وجود هارون عليه السلام في الدنيا كان من حضرة الرحموت ، أي الرحمة العظيمة الإلهية بقوله تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا