[ المجلد الثاني ]
بسم اللّه الرّحمن الرحيم
12 - ( فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية )
وهذا فص الحكمة الشعيبية ذكره بعد حكمة صالح عليه السلام ، لأنه يبحث فيه عن الرحمة التي وسعت كل شيء ، فناسب ذكره بعد حكمة صالح عليه السلام المشتملة على إعطاء كل شيء خلقه من حيث إن العلم تابع للمعلوم ، ولا يكون عن الشيء إلا ما هو كائن فيه ، فتشمله الرحمة وتظهره على ما هو عليه في ثبوته قبل وجوده ، فقدر رحمته بإعطائها له الوجود ، فالخير مرحوم والشر مرحوم والهدى مرحوم والضلال مرحوم والكفر والإيمان والنار والجنة والعذاب والنعيم وكل شيء مرحوم . كذلك قال سبحانه :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] ، وقال تعالى :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
[ طه : 50 ] ، فكأنما هذا فص تعميم لما قبله وإكمال لتلك الحكمة السابقة .
( فص حكمة قلبية ) ، أي منسوبة إلى القلب ( في كلمة شعيبية ) .
إنما اختصت حكمة شعيب عليه السلام بكونها قلبية ، لأنها يبحث فيها عن قلب العارف باللّه تعالى ووسعه للحق سبحانه ، لأنه من رحمة اللّه تعالى التي وسعت كل شيء .
* * * اعلم أنّ القلب - أعني قلب العارف باللّه - هو من رحمة اللّه ، وهو أوسع منها فإنّه وسع الحقّ جلّ جلاله ورحمته لا تسعه .
هذا لسان العموم من باب الإشارة ، فإنّ الحقّ راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرّحمة فيه .
وأمّا الإشارة من لسان الخصوص فإنّ اللّه تعالى وصف نفسه بالنّفس بفتح الفاء وهو من التّنفيس .
وأنّ الأسماء الإلهيّة عين المسمّى وليس إلّا هو ، وأنّها طالبة ما تعطيه الحقائق وليست الحقائق الّتي تطلبها الأسماء إلّا العالم . فالألوهيّة تطلب المألوه ، والرّبوبيّة تطلب المربوب .