الإمداد منهما في عالم الحس ينزل الغيث من الفوق ، ويخرج النبات من التحت ، والجهات الأربعة الباقية اليمين والشمال والقدام والخلف جهات الشيطان كما حكى تعالى عنه بقوله :
لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
[ الأعراف : 17 ] ولهذا ، أي لكون الفوق والتحت له سبحانه ما ظهرت الجهات الست فوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف إلا بالنسبة إلى الإنسان لا غيره لإدراكه وانتصاب قامته في تبيين تلك الاعتبارات وتمييزها ، إذ هي مجرد اعتبار لا حقيقة له ؛ ولهذا تختلف باختلاف الانحراف والتحوّل ، فقد يصير الفوق تحتا بالصعود على السطح ونحوه ، والتحت فوقا بالهبوط إلى غار ونحوه ، واليمين شمالا والشمال يمينا والقدام خلفا والخلف قداما بالتحوّل .
وهو ، أي الإنسان مخلوق على صورة الرحمن المستوي على العرش بما لا يعلمه الجاهل إذ هو حال العارف الكامل ، وعلى صورة الشيطان أيضا المستولي عليه بما لا يدركه إلا المخلص الذي هو ممن قال فيهم كما حكاه تعالى :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 40 ) [ الحجر : 39 - 40 ] ، إذ هو حال الغافل الجاهل الناقص ، فاتصف لذلك بالجهات الست المذكورة وظهرت به وتميزت عنده الجهتان اللتان للرحمن والأربع جهات التي للشيطان ، فمن تميزت عنده جهاته الست كان مظهر الرحمن والشيطان ، صاحب جمال وجلال وهو القرآن العظيم الذي قال تعالى عنه :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] .
وقال تعالى :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] ، وقال تعالى :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] .
* * * ولا مطعم إلّا اللّه ، وقد قال في حقّ طائفة :
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
ثمّ نكّر وعمّم فقال :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ
فدخل في قوله :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ
كلّ حكم منزل على لسان رسول أو ملهم ،
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ
وهو المطعم من الفوقيّة الّتي نسبت إليه ،
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[ المائدة : 66 ] وهو المطعم من التّحتيّة الّتي نسبها إلى نفسه على لسان رسوله المترجم عنه صلى اللّه عليه وسلم .
ولا مطعم في نفس الأمر إلا اللّه تعالى كما قال :
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
[ الأنعام : 14 ] وقد قال تعالى في حق طائفة من أهل الكتابين ولو أنهم أقاموا التوراة وهم اليهود والإنجيل وهم النصارى ، أي عملوا على مقتضى ذلك وتركوا هوى نفسهم والعمل بحسب أغراضهم الدنيوية ثم إنه بعد ذلك نكّر ولم يبين