عليه السلام أول ما نطق وهو في المهد :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
، وأن الحق تعالى القيوم عليه وعلى نفسه بما كسبت هو الحق تعالى لكونه سبحانه ربا ، أي مالكا له ، أي لعيسى عليه السلام فجاء عليه السلام لنفسه في كلامه بأنه شهيد وجاء في الحق تعالى بأنه رقيب عليهم وقدمهم ، أي الناس في حق نفسه فقال :
وَكُنْتُ
عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
[ المائدة : 117 ] ، فقوله : شهيدا مؤخر عن قوله عليهم إيثارا ، أي سماحة لهم في التقدم الذكرى وأدبا في المسارعة إلى امتثال الأمر ، لأن الحق تعالى أرسله وأمره بالشهود عليهم ، فإنهم ركن في الامتثال ، فقدمهم مراعاة للأدب مع مولاه الذي أمرهم وأخرهم ، أي الناس في جانب الحق تعالى عن ذكر الحق تعالى في قوله :
كُنْتَ أَنْتَ
الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
لما يستحقه الرب سبحانه من التقدم على الكل بالرتبة فإن رتبته أعلى من أن يقال إنها أعلا من كل الرتب .
* * * ثمّ أعلم أنّ للحقّ الرّقيب الاسم الّذي جعله عيسى لنفسه وهو الشّهيد في قوله
عَلَيْهِمْ شَهِيداً
فقال :
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
فجاء ب
كُلِّ
للعموم وب
شَيْءٍ
لكونه أنكر النكرات وجاء بالاسم الشّهيد ، فهو الشّهيد على كلّ مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود .
فنبّه على أنّه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
[ المائدة : 117 ] فهي شهادة الحقّ في مادّة عيسويّة كما ثبت أنّه لسانه وسمعه وبصره .
ثم اعلم يا أيها السالك أن للحق تعالى الرقيب سبحانه الاسم الذي جعله عيسى عليه السلام لنفسه وهو الاسم الشهيد في قوله : أي عيسى عليه السلام
وَكُنْتُ
عليهم شهيدا
ما دُمْتُ فِيهِمْ
فقال عليه السلام :
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
فجاء بكل في قوله :
كُلِّ شَيْءٍ
للعموم ، أي عموم الأشياء وجاء بشيء في قوله له كل شيء أيضا لكونه ، أي الشيء أنكر النكرات لأنه اسم لكل مجهول ، فإذا عين باسم أخص وعلم كحجر ومدر وجاء بالاسم الشهيد فهو تعالى الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، أي شاهد من المشاهدة وهي المعاينة على كل مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود من كونه محسوسا أو معقولا أو موهوما ونحو ذلك من الأقسام فنبه ، أي عيسى عليه السلام على أنه ، أي الحق