فالشيء الذي عنده تعالى بمقدار هو المستعد بالفيض الأقدس الذاتي بالقابل لما استعد له بالفيض المقدس الصفاتي على حسب الصورة التي تجمع صوره كلها من أوّل عمره إلى آخره ، فإذا أنزله تعالى لا ينزله إلا إلى نفسه وغيره من أمثاله ، لأنه ما ثم إلا الحق تعالى ، وإذا لم يكن الإنزال هذا فلا إنزال ، لأنه عنده تعالى فلا يصح الإنزال إليه تعالى ، بل منه ولا ينزله كله بتمامه ، لأن حضرة الإمكان قاصرة ، فلا تقبل الظهور إلا بالتدريج ، ومن هنا يظهر الزمان المستحيل على الحق تعالى ، وأنه منسوب إلى الكائنات عند نفسها فقط ، وإنما ينزله بقدر ، أي مقدار معلوم عنده سبحانه ، وهو صورة بعد صورة حتى تنقضي تلك الصور كلها التي عنده تعالى المسماة بالمقدار ، فإذا انقضت تلك الصور كلها نفذ ذلك الشيء عند نفسه ، وبقي عند اللّه تعالى كما هو عليه من قبل أن ينزله وهو قوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل :
96 ] ، فمن كان باقيا عند اللّه تعالى نافدا عند نفسه لم يكن مما خاطبهم سبحانه من الغافلين الذين قال لهم :
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ
( 38 )
وَما لا تُبْصِرُونَ
( 39 ) [ الحاقة : 38 - 39 ] فإنهم لا يبصرون إلا الحق تعالى من حيث التجلي الصفاتي الذي أعطاهم الوجود ولكنهم لا يشعرون من جهلهم به سبحانه ، وما لا يبصرون هو الحق تعالى أيضا من حيث التجلي الذاتي الذي أعطاهم الاستعداد للوجود ، والعارفون يبصرون ولا يبصرون ، وهم على علم منه سبحانه بذاته وصفاته ، والجاهلون يبصرون ولا يبصرون ، وهم على جهل به تعالى ويصح أن يكون قوله فرآه ، أي القلب المستعد ، أي الحق تعالى حيث تجلى به في عالم الشهادة ( فظهر ) ذلك القلب ( بصورة ما تجلى ) ، أي الحق تعالى ( له كما ذكرناه ) ، أي بالتجلي الشهادي ( فهو تعالى أعطاه ) ، أي قلب العارف به ( الاستعداد ) لقبول فيض التجلي الشهادي ( لقوله ) تعالى
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 50 ] ، فإعطاء كل شيء خلقه إعطاؤه استعداده لقبول الفيض والهداية ، ودلالته أنه هو الوجود لا غيره سبحانه ، وهو ما أشار إليه بقوله :
( ثم رفع ) ، أي زال ( الحجاب بينه ) سبحانه ( وبين عبده ) ، وهو حجاب عدم البعد فظهر في فور الوجود فانطرد عدمه الأصلي ( فرآه ) ، أي رأى ذلك العبد الظاهر ربه تعالى متجليا عليه ( في صورة معتقده ) ، أي ما يعتقده ذلك العبد في ربه من العقيدة الإيمانية ( فهو ) ، أي الحق تعالى ( عين اعتقاده ) ، أي العبد من حيث الوجود المطلق الظاهر في تلك الصورة المقيدة الاعتقادية ( فلا يشهد القلب ولا العين ) من العارف والجاهل ( أبدا ) ، أي في جميع الأحوال ( إلا صورة معتقده ) ، أي ما يعتقده ( في الحق ) تعالى غير أن العارف لا يحصره سبحانه في اعتقاده دون اعتقاد غيره بل يعرفه في كل اعتقاد ، ويعرف أنه من الضرورة الإمكانية ظهوره لكل عبد في صورة