وقد ورد : « أن اللّه جميل يحب الجمال » « 1 » . وقال تعالى :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ آل عمران : 26 ] فما في يده تعالى إلا الخير ، والأشياء إما أن تستعد للخير أو للشر ، فالاستعداد اقتضى وجود النوعين ما دام له حكم في الممكن ، فإذا وضع الجبار قدمه في النار يوم القيامة كما ورد في الخبر « 2 » زال حكم الاستعداد وظهر الخير المحض والجمال الصرف وهو قوله : « كلتا يديه يمين » فلا خفاء مع ذلك لما بينهما ، أي اليدين من الفرقان ظاهرا فإن حكم الاستعداد إذا زال في العبد استحكامه باطنا زال في تأثر النفوس به لا في ظاهر الاتصاف بمقتضاه ، فالنار لا تزول عن كونها نارا بعد وضع الجبار قدمه فيها وانزواء بعضها إلى بعض ، وقولها : قط قط . فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما ورد عنه أنه أخبر بذلك لم يخرجها عن كونها نارا ، أو أهلها الذين هم أهلها لا يزالون فيها كذلك ولو لم يكن في اليدين بصيغة التثنية كما قال تعالى لإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي إلا كونهما ، أي اليدين اثنتين أعني يدين لا يد واحدة لأنه ، أي الشأن لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها من طبيعة أخرى وهي ، أي الطبيعة متقابلة بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فجاء سبحانه في خلق آدم عليه السلام باليدين معا .
* * * ولمّا أوجده باليدين سمّاه بشرا للمباشرة اللائقة بذلك الجناب باليدين المضافتين إليه .
وجعل ذلك من عنايته بهذا النّوع الإنسانيّ فقال لمن أبى عن السّجود له :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ
على من هو مثلك - يعني عنصريّا -
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ ص : 75 ] عن العنصر ولست كذلك . ويعنى بالعالين من علا بذاته عن أن يكون في نشأته النّوريّة عنصريّا وإن كان طبيعيّا .
فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصريّة إلّا بكونه بشرا من طين ؛ فهو أفضل نوع من كلّ ما خلق من العناصر من غير مباشرة .
فالإنسان في الرّتبة فوق الملائكة الأرضيّة والسّماويّة والملائكة العالون خير من هذا النّوع الإنساني بالنّص الإلهيّ .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب تحريم الكبر . . ، حديث رقم ( 91 ) [ 1 / 93 ] والحاكم في المستدرك ، كتاب اللباس ، حديث رقم ( 7365 ) [ 4 / 201 ] .
( 2 ) الذي سبقت الإشارة إليه وسبق تخريجه .