( فلا يزال ) العالم ( في حجاب ) عن الحق تعالى ( لا يرفع ) عنه أبدا ما دام العالم ، فإذا زال العالم زال الحجاب والمدرك معا ، وأما مع بقاء المدرك فالحجاب باق لا يزول أبدا ( مع علمه ) ، أي علم العالم ( بأنه متميز ) في ذاته وصفاته ( عن موجوده تعالى بافتقاره ) إليه ، وإن وقعت المضاهاة بينه تعالى وبين العالم في جميع ما ذكر ( ولكن لاحظ له ) ، أي للعالم ( في وجوب الوجود الذاتي الذي لوجود الحق تعالى ) كما سبق ذكره ( فلا يدركه ) ، أي لا يدرك العالم الحق تعالى ( أبدا ) ، لأنه محجوب عنه بنفسه الإلهية فلو أدركه أدرك نفسه التي في علم الحق تعالى الممدة له في هذا العالم وهي ربه كما قال عليه السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » ، ولم يقل : فقد عرف اللّه ( فلا يزال الحق ) تعالى ( من هذه الحيثية ) التي هي وجوب الوجود الذاتي ( غير معلوم ) للعالم دائما في الدنيا والآخرة ( علم ذوق ) كشفي ( وشهود ) بل معلوم علم خيال غيبي ، لأنه ليس فينا من ذلك ما تعلم به ذوقا وشهودا وإنما عندنا تخيل ذلك تخيلا ممحوا بالتسليم للغيب المطلق ولهذا قال : ( لأنه لا قدم ) ، أي لا مشاركة ( للحادث ) مطلقا ( في ذلك ) الأمر المخصوص بالحق تعالى وهو وجوب الوجود الذاتي .
* * * فما جمع اللّه لآدم بين يديه إلّا تشريفا . ولهذا قال لإبليس :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] وما هو إلّا عين جمعه بين الصّورتين ، صورة العالم وصورة الحقّ وهما يدا الحق .
وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعيّة .
ولهذا كان آدم خليفة .
فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه فما هو خليفة ، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرّعايا الّتي استخلف عليها - لأنّ استنادها إليه فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه - وإلّا فليس بخليفة عليهم .
( فما جمع اللّه ) تعالى ( لآدم ) عليه السلام ( بين يديه ) سبحانه وتعالى القديمتين في خلقه له بهما معا ( إلا تشريفا ) لآدم عليه السلام وتعظيما له إذ ورد أنه تعالى خلق جنة عدن بيده اليمنى ، وغرس شجرة طوبى بيده اليمنى ، ولم يرد في شيء أنه خلقه
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .