بالغنى عن الناس من أيّ جهة وبالافتقار إليه من أيّ جهة فغناؤه بحسب ذاته وافتقاره بحسب ظهور أحكامه وإنما افتقر العالم إلى اللّه سواء كان افتقارا كليا أو افتقارا نسبيا ( فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا وأعظم الأسباب له سببية الحق ) أي أن يكون الحق سببا له لا غيره ( ولا سببية للحق ) أي ولا يمكن للحق أن يكون سببا للعالم ( يفتقر العالم إليها ) أي إلى هذه السببية ( سوى الأسماء الإلهية ) إذ ما دبر الحق العالم إلا بأيدي أسمائه فسبحان من دبر العالم بالعالم ( والأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه ) سواء كان ذلك الاسم المفتقر إليه ( من ) جنس ( العالم مثله ) أي مثل المفتقر كالوالد بالنسبة إلى الولد ، فإنه اسم إلهي يفتقر إليه الولد في وجوده الخارجي مع أنه من العالم مثل الولد فلا يطلق الاسم على شيء إلا بسبب كونه محتاجا إليه للعالم ( أو ) تجلى من ( عين الحق ) فكيف كان ( فهو ) أي الاسم المفتقر إليه ( اللّه ) أي عين الحق باعتبار الربوبية ( لا غيره ) وإن كان غيره باعتبار الظلية إذ لا يحتاج إليه ولا يطلق عليه الاسم بهذا الاعتبار فكان العالم كله من الأسماء والأعيان وغيرها يفتقر إلى اللّه خاصة ( ولذلك ) أي ولأجل أن العالم كله محتاج إلى اللّه لا إلى غيره ( قال اللّه تعالى
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 )
[ فاطر : 15 ] فالغناء لا يكون إلا للَّه والفقر لا يكون إلا للعالم ( ومعلوم أن لنا افتقارا من بعضنا لبعض فأسماؤنا ) من جنسنا التي يحتاج إليها أسماء اللّه تعالى ( وأسماء اللّه تعالى ) عين ذاته من حيث الربوبية ( إذ إليه الافتقار بلا شك ) لا إلى غيره لأن الغير ظل اللّه والظل لا يقال فيه يفتقر إليه غيره ( وأعياننا ) أي وجوداتنا الخارجية ( في نفس ) الأمر ( ظله لا غيره ) أي لا غير ظله أو لا غير الحق إذ ظل الشيء عينه ( فهو ) أي الحق ( هويتنا ) باعتبار ظهور هوية الحق فينا فلا امتياز بهذا الوجه وهو وجه الأحدية ( لا هويتنا ) باعتبار ظهور الاختلاف فينا .
ولما كان هذا البيان أوضح الطريق وأقربه إلى معرفة الحق أوصى للسالكين بقوله : ( وقد مهدنا لك السبيل ) أي بسطنا وأوضحنا لك طريقا واسعا يوصل لمن سلك به إلى الحق ( فانظر ) فيه تصل إلى مقصودك واللّه المعين .
فص حكمة أحدية في كلمة هودية
أي العلوم المتعلقة بالحقيقة الأحدية مودعة في روح هذا النبي لذلك دعا قومه إلى مقام الأحدية بقوله :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 56 ] ولما كانت لكل اسم أحدية الصراط وكان أحدية الصراط الاسم اللّه جامعا لجميع أحدية صراط الأسماء شرع في بيان الأحدية الجامعة أوّلا بقوله :
( أن اللّه الصراط المستقيم ظاهر )
خبر لمبتدأ محذوف وهو هو ( غير خفي ) تأكيد ( في العموم ) أي جاء هذا الصراط