تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
سبحان من جمع بين النّور والظّلمة وقرن اللّامكانيّ المتبرّي عن الجهة مع المكانيّ الحاصل في الجهة فحبّبت الظّلمة إلى النّور فعشق بها وامتزج معها بكمال المحبّة ليزداد بهذا التّعلّق جلاؤه ويكمل بمجاورة الظّلمة صفاؤه كالمرآة إذا أريد صقالتها وقصد ظهور لطافتها ترّبت أوّلا ليظهر بمجاورة الظّلمة التّرابيّة صفاؤها ويزداد بتعلّق الكثافة الطّينيّة بهاؤها فنسي ذلك النّور ما حصل له أوّلا من شهوده القدسيّ بل جهل نفسه وتوابعه الوجوديّة لإستغراقه في شهود معشوقه الظّلمانيّ وتعلّقه بالهيكل الهيولانىّ فصار من أصحاب المشأمة في مصاحبته وضاع من كرامات الميمنة في مجاورته فإن بقي في مضيق هذا الاستغراق ولم يتخلّص إلى فضاء الإطلاق فالويل له كلّ الويل لما لم يتيسّر له ما هو المقصود منه وضاع جوهر استعداده فضلّ ضلالا بعيدا وإن سبقت له الحسنى وأدركته العناية القصوى رفع رأسه وتذكّر ما ضلّ عنه فرجع القهقرى قائلا ( شعر ) :
إليك يا منيتي حجّي ومعتمري * * * * إن حجّ قوم على ترب وأحجار
وإن حصل له الاستغراق ثانيا في شهود المطلوب الأقدس على أحسن طرق وتيسّر له التّوجّه إلى الجناب المقدّس بأكمل وجوه تبعه الظّلمة ح واندرجت في غلبات أنواره ، فإذا بلغ هذا الاستغراق إلى أن نسي المتعلّق الظّلمانيّ رأسا وجهل نفسه وتوابع وجوده كلّيّة فاستهلك في مشاهدة نور الأنوار ، وحصل له حضور المطلوب وراء الأستار ، شرّف بالفناء الجسديّ والرّوحيّ وإن حصل له البقاء بذلك المشهود أيضا بعد الفناء فيه فقد تمّت له جهتا الفناء والبقاء وصحّ ح إطلاق اسم الولاية عليه . فحينئذ لا يخلو حاله من أمرين : إمّا الاستغراق في المشهود بالكلّيّة والاستهلاك فيه على الدّوام . وإمّا الرّجوع إلى دعوة الخلق إلى الحقّ عزّ سلطانه بأن يصير باطنه مع اللّه سبحانه وظاهره مع الخلق فيتخلّص النّور حينئذ من الظّلمة المندرجة فيه المتوجّهة إلى المطلوب ، ويصير بهذا التّخلّص من أصحاب اليمين ، وهو وإن لم يكن له في الحقيقة يمين ولا شمال لكنّ اليمين أولى بحاله وأنسب لكماله ، لجامعيّته الجهة الخيريّة مع اشتراكهما في اليمن والبركة كما وقع في شأنه عزّ شأنه كلتا يديه يمين « 1 » وتنزل تلك الظّلمة من ذلك النّور في مقام العبادة وأداء الطّاعة . ونعني بالنّور اللّامكانيّ الرّوح بل خلاصته وبالظّلمة المقيّدة بالجهة النّفس . وكذا المراد بالظّاهر والباطن ( فإن قال قائل ) : إنّ للأولياء المستهلكين أيضا شعورا بالعالم وتوجّها إليه واختلاطا مع بني نوعهم فما معنى الاستهلاك والتّوجّه على الدّوام ؟ وما الفرق بينهم وبين المرجوعين إلى العالم للدّعوة ؟ ( قلنا ) إنّ الاستهلاك والتّوجّه بالكلّيّة عبارة عن توجّه الرّوح والنّفس معا بعد اندراج النّفس في أنوار الرّوح كما مرّت الإشارة إليه . والشّعور بالعالم ونحوه إنّما يكون بالحواسّ والقوى والجوارح الّتي هي
هامش
( 1 ) رواه مسلم عن عبد اللّه ابن عمرو والترمذي عن أبي هريرة بلفظ وكلتا يدي ربي يمين مباركة . ( القزانى رحمة اللّه عليه )