تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
البطش وحركة الإرتعاش ونعلم قطعا أنّ الأوّل باختياره دون الثّاني والنّصوص القطعيّة تنفي هذا المذهب أيضا كقوله تعالى
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ *
« 1 » وقوله سبحانه
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 2 » إلى غير ذلك . ( واعلم ) أنّ كثيرا من النّاس لضعف هممهم وقصور نيّاتهم يطلبون الاعتذار ودفع السّؤال عن أنفسهم فيميلون إلى مذهب الأشعريّ بل إلى مذهب الجبريّ فتارة يقولون بأن لا اختيار للعبد حقيقة ونسبة الفعل إليه مجاز وتارة يقولون بضعف الاختيار المستلزم للإجبار ومع ذلك يسمعون كلام بعض الصّوفيّة في هذا المقام من أنّ الفاعل واحد ليس الّا هو وأن لا تأثير لقدرة العبد في الأفعال أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات بل وجود العبد ذاتا وصفة كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد اللّه عنده ، وأمثال هذا الكلام ازدادهم جراءة على المداهنة والمساهلة في الأقوال والأفعال فنقول في تحقيق هذا الكلام واللّه سبحانه أعلم بحقيقة المرام : إنّ الاختيار لو لم يكن ثابتا للعبد حقيقة كما هو مذهب الأشعريّ لما نسب اللّه تعالى الظّلم إلى العباد إذ لا اختيار لهم ولا تأثير لقدرتهم وإنّما هي مدار محض عنده وقد نسب اللّه سبحانه الظّلم إليهم في غير موضع من كتابه المجيد ومجرّد المداريّة بدون التّأثير ولو في الجملة لا يوجب الظّلم منهم . نعم إنّ الإيلام والتّعذيب للعباد منه تعالى من غير أن يكون الاختيار ثابتا لهم ليس بظلم أصلا إذ هو سبحانه مالك على الإطلاق يتصرّف في ملكه كيف يشاء أمّا نسبة الظّلم إليهم فمستلزم لثبوت الاختيار لهم واحتمال المجاز في هذه النّسبة خلاف المتبادر فلا يرتكب من غير ضرورة وأمّا القول بضعف الاختيار فلا يخلو إمّا يراد به الضّعف بالنّسبة إلى اختياره تعالى فمسلّم ولا نزاع فيه لأحد وكذا الضّعف بمعنى عدم الاستقلال في صدور الأفعال أيضا مسلّم . وأمّا الضّعف بمعنى عدم المدخليّة للاختيار في الأفعال فممنوع وهو أوّل المسألة وسند المنع قد مرّ مفصّلا . ينبغي أن يعلم أنّ اللّه تعالى كلّف عباده بقدر طاقتهم واستطاعتهم وخفّف في التّكليف لضعف خلقهم قال اللّه تبارك وتعالى
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
« 3 » كيف وهو سبحانه حكيم رؤوف رحيم ولا يليق بالرّحمة والرّأفة والحكمة تكليف ما لا يستطيع له العبد فلم يكلّف برفع الصّخرة العظيمة الّتي لا يقدر على رفعها العبد بل كلّف بما هو يسير على العبد من الصّلاة المشتملة على القيام والرّكوع والسّجود والقراءة الميسّرة وكلّ ذلك يسير غاية اليسر وكذا الصّوم مثلا في نهاية السّهولة والزّكاة أيضا كذلك إذ قدّر بربع العشر ولم يقدّر بالكلّ والنّصف مثلا لئلّا يثقل
هامش
- عليه ) ( 1 ) الآية : 14 من سورة الأحقاف . ( 2 ) الآية : 29 من سورة الكهف . ( 3 ) الآية : 28 من سورة النساء .