تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
لمّا أدركتني عناية الحقّ سبحانه ورقّتني من تلك الورطة علمت أنّ ذلك النّور كان نور الرّوح لا النّور الإلهيّ الحمد للّه الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، وحيث كانت الرّوح لا مكانيّة ومخلوقة على صورة لا مثاليّة فلا جرم تكون محلّ اشتباه واللّه يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل . ( وجماعة ) منهم ينزلون آخذين ذلك النّور يعني نور الرّوح الّتي فوق العرش ويحصل لهم البقاء به فيظنّون أنفسهم جامعين بين التّشبيه والتّنزيه فإن وجدوا ذلك النّور منفكّا عنهم يتصوّرون ذلك مقام الفرق بعد الجمع وأمثال هذه المغالطات فيما بين الصّوفيّة كثيرة وهو سبحانه العاصم عن مظانّ الأغلاط ومحلّ الاحتياط . وينبغي أن يعلم أنّ الرّوح وإن كانت بالنّسبة إلى العالم لا مثليّة ولكنّها بالنّسبة إلى اللّامثليّ الحقيقيّ داخلة في دائرة المثليّ وكأنّها برزخ بين العالم المثليّ وبين جناب القدس الحقيقيّ ففيها وصف الطّرفين وكلا الإعتبارين صحيح فيها بخلاف اللّامثليّ الحقيقيّ فانّه لا سبيل للمثليّ إليه أصلا فما لم يعرج السّالك من جميع مقامات الرّوح لا يصل إلى ذلك الاسم فينبغي أوّلا أن يتجاوز جميع طبقات السّموات حتّى العرش والخروج من لوازم المكان بالتّمام ثمّ يلزم ثانيا طيّ مراتب لا مكانيّة عالم الأرواح فيصل في ذلك الوقت إلى ذلك الاسم ، ( شعر )
ويظنّ مولانا بأنّه واصل * * * * ما ان له غير الظّنون حاصل
فهو سبحانه وراء الوراء فإنّ وراء عالم الخلق هذا عالم الأمر ووراء عالم الأمر مراتب الأسماء والشّئونات ظلّا وأصالة وإجمالا وتفصيلا فينبغي طلب المطلوب الحقيقيّ فيما وراء هذه المراتب الظّلّيّة والأصليّة والكونيّة والإلهيّة والإجماليّة والتّفصيليّة فمن ذا الّذي ينعم به عليه وأيّ صاحب دولة يشرّف بهذه الدّولة ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم . ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة وأن لا يقنع بكلّما يتيسّر في الطّريق وأن يطلب المطلوب في ما وراء الوراء ، شعر :
كيف الوصول إلى سعاد ودونها * * * * قلل الجبال ودونهنّ خيوف
تنبيه آخر : اعلم أنّ دوام الوقت واستمراره مسلّم لشخص تشرّف بالبقاء باللّه بعد تحقّقه بالفناء المطلق وتبدّل علمه الحصوليّ حضوريّا ولنوضّح هذا المبحث ببيان . اعلم أنّ كلّ علم يحصل للعالم من وراء ذاته فطريق حصوله له هو حصول صورة المعلوم في ذهن العالم وكلّ علم لا يحتاج في حصوله إلى حصول الصّورة وهو علم الإنسان بذاته فهو علم حضوريّ فإنّ الذّات حاضرة عند العالم بنفسها وما دامت صورة المعلوم حاصلة في العلم الحصوليّ فهو معلوم في ذهن المتوجّه فإذا زالت الصّورة عن الذّهن زال ذلك التّوجّه الذّهنيّ فدوام التّوجّه في العلم الحصوليّ محال عاديّ بخلافه في العلم الحضوريّ فإنّ الغفلة عن المعلوم غير متصوّرة هناك فإنّ منشأ تحقّق ذلك العلم