تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
ذلك وهذا القول غير مسموع منه كما لا يسمع القول بالتّقاة من الشّيعة فإنّ الأنبياء عليهم السّلام أحقّ بتبليغ ما هو مطابق لنفس الأمر فإن كان الوجود في نفس الأمر واحدا فلم اخفوه واظهروا خلاف ما في نفس الامر خصوصا في الاحكام الّتى تتعلّق بذات واجب الوجود وصفاته وأفعاله تعالى وتقدّس فإنّهم أحقّاء بإعلانها وإظهارها وإن كان قاصر النّظر قاصرا عن إدراكها وعاجزا عن فهمها فضلا عن العوامّ ألا ترى أنّ المتشابهات القرآنيّة وما ورد في الأحاديث النّبويّة من المتشابهات يعجز الخواصّ عن فهمها فضلا عن العوامّ ومع ذلك لم يمنعوا ولم يعقهم توهّم غلط العوامّ من إبدائها وهؤلاء الجماعة يسمّون من يقول بتعدّد الوجود والموجود ويتنزّه عن عبادة ما سوى المعبود تعالى وتقدّس مشركا ويقولون لمن يقول بوحدة الوجود موحّدا ولو كان يعبد ألف صنم بتخيّل انّها ظهورات الحقّ سبحانه وأنّ عبادتها عبادته سبحانه ينبغي أن يتأمّل بالإنصاف أيّ صنف من هذين الصّنفين مشرك وأيّ صنف منهما موحّد والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ما دعوا الخلق إلى وحدة الوجود ولم يقولوا لمن قال بتعدّد الوجود مشركا بل كانت دعوتهم إلى وحدة المعبود جلّ سلطانه وأطلقوا الشّرك على عبادة ما سواه تعالى فإن لم يعرف الصّوفيّة الوجوديّة ما سواه تعالى بعنوان الغيريّة لا يتخلّصون من الشّرك وما سواه تعالى هو ما سواه تعالى عرفوا ذلك أو لا وبعض المتأخّرين منهم قال : إنّ العالم ليس عين الحقّ جلّ سلطانه ويتحاشى من القول بالعينيّة ويطعن في القائلين بها ويشنّعهم وينكر الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ واتباعه من هذا الوجه ويذكرهم بسوء ومع ذلك لا يقول بمغايرة العالم للحقّ سبحانه بل يقول إنّه ليس عين الحقّ ولا غير الحقّ سبحانه وهذا الكلام بعيد عن الصّواب فإنّ الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة ومنكر المغايرة بين الاثنين مصادم لبديهة العقل غاية ما في الباب أنّ المتكلّمين قالوا في صفات الواجب إنّها لا هو ولا غيره وأرادوا بالغير الغير المصطلح وراعوا جواز الإنفكاك في المتغايرين فإنّ صفات الواجب ليست منفكّة عن الذّات وجواز الإنفكاك بين الذّات والصّفات القديمة غير متصوّر فقول لا هو ولا غيره صادق في الصّفات القديمة بخلاف العالم فإنّ تلك النّسبة مفقودة فيه كان « 1 » اللّه ولم يكن معه شيء . فنفي العينيّة والغيريّة معا من العالم بعيد عن الصّدق لغة واصطلاحا وهؤلاء الجماعة إنّما زعموا العالم وتصوّروه كالصّفات القديمة وأثبتوا له الحكم المخصوص بها من قصورهم وعدم وصولهم وحيث قالت هؤلاء الجماعة بنفي عينيّة العالم كان اللّازم لهم أن يقولوا بغيريّته أيضا حتّى يخرجوا من زمرة أرباب التّوحيد الوجوديّ ويحكموا بتعدّد الوجود وفي التّوحيد الوجوديّ لا بدّ من القول بالعينيّة كما قال بها الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وأتباعه والقول بالعينيّة لا بمعنى أنّ العالم متّحد بالصّانع معاذ اللّه من ذلك بل بمعنى أنّ العالم معدوم والموجود هو واجب الوجود تعالى وتقدّس كما حقّق هذا الفقير هذا المعنى في بعض رسائله . فإن قيل : إنّ الصّوفيّة
هامش
( 1 ) ( قوله كان اللّه الخ ) رواه البخاري عن عمران بن حصين رضى اللّه عنه بلفظ كان اللّه ولم يكن شئ غيره وفي رواية فيه ولم يكن شئ قبله قال ابن حجر وفي رواية غير البخاري ولم يكن شئ معه ( القزانى رحمة اللّه عليه )
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 370 | أحمد الفاروقي السرهندي / عبد الله احمد الحنفي المصري / على رضا قشلى