اللّاكيفيّة فإنّ ذلك داخل في اللّهو واللّعب وأيّ نقصان في الأنوار والصّور الحسّيّتين حتّى يتركها شخص ويتمنّى الصّور والأنوار الغيبيّتين بارتكاب الرّياضات والمجاهدات فإنّ هذه الصّور والأنوار وتلك الصّور والألوان كلّها مخلوقة الحقّ جلّ وعلا ومن الآيات الدّالّة على وجوده تعالى . واختيار الطّريقة النّقشبنديّة من بين سائر طرق الصّوفيّة أولى وأنسب لأنّ هؤلاء الأكابر قد التزموا متابعة السّنّة السّنيّة واجتناب البدعة الشّنيعة ولهذا تراهم يفرحون ويستبشرون إذا كان فيهم دولة المتابعة وإن لم يكن لهم شيء من الأحوال ومتى أحسّوا فتورا في المتابعة مع وجود الأحوال لا يقبلون تلك الأحوال ولا يبغونها ومن ههنا لم يجوّزوا الرّقص والسّماع ولم يقبلوا الأحوال المترتّبة عليه باتّفاق منهم وإجماع بل اعتقدوا ذكر الجهر بدعة ومنعوا أصحابهم عنه ولم يلتفتوا إلى ثمرات تترتّب عليه كنت يوما في مجلس الطّعام مع حضرة شيخنا فقال الشّيخ كمال الّذي هو من مخلصي حضرة شيخنا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم جهرا حين شرع في الأكل فلم يناسب ذلك منه لحضرة شيخنا حتّى قال بالزّجر البليغ امنعوه لا يحضر مجلس طعامنا .
وسمعت حضرة شيخنا يقول : إنّ الخواجة النّقشبند قدّس سرّه جمع علماء بخارا وجاء بهم إلى خانقاه شيخه الأمير كلال ليمنعوهم من ذكر الجهر . فقال العلماء للأمير : إنّ ذكر الجهر بدعة فلا تفعلوه فقال في جوابهم : لا أفعل فإذا صدر من أكابر هذه الطّريقة مثل هذه المبالغة في المنع عن ذكر الجهر فماذا نقول في السّماع والرّقص والوجد والتّواجد والأحوال والمواجيد الّتي تترتّب على أسباب غير مشروعة فهي من قبيل الإستدراجات عند الفقير فإنّ الأحوال والأذواق قد تحصل لأهل الإستدراج أيضا ويظهر لهم في مرايا صورة العالم كشف التّوحيد والمكاشفة والمعاينة وفلاسفة اليونان وجوكيّة الهنود وبراهمتهم شركاء في تلك الأمور وعلامة صدق الأحوال موافقتها للعلوم الشّرعيّة مع الإجتناب من ارتكاب الأمور المحرّمة والمشتبهة . واعلم أنّ الرّقص والسّماع داخل في الحقيقة في اللّهو واللّعب وقوله تعالى
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ )
الآية ، نازل في شأن المنع عن الغناء كما قال مجاهد الّذي هو تلميذ ابن عبّاس ومن كبار التّابعين أنّ المراد بلهو الحديث الغناء في المدارك لهو الحديث السّمر والغناء وكان ابن عبّاس وابن مسعود رضي اللّه عنهم يحلفان أنّه الغناء ، وقال مجاهد في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
« 1 » أي : لا يحضرون الغناء وحكي عن إمام الهدى أبي منصور الماتريديّ « 2 » من قال لمقرئي زماننا : أحسنت عند قراءته يكفر وبانت منه امرأته وأحبط اللّه كلّ حسناته وحكي عن أبي نصر الدّبوسيّ عن القاضي ظهير
هامش
( 1 ) الآية : 72 من سورة الفرقان .
( 2 ) هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي ( أبو منصور ) متكلم ، أصولي ، من أهم مصنفاته : شرح الفقه الأكبر المنسوب للإمام أبو حنيفة ، تأويلات أهل السنة ، بيان وهم المعتزلة ، تأويلات القرآن ، مأخذ الشرائع في أصول الفقه . توفي سنة 333 ه .
انظر : تاج التراجم لابن قطلوبغا 43 ، مفتاح السعادة لطاش كوبرى زادة 2 / 21 ، معجم المؤلفين لكحالة 3 / 692 .