( فإن قيل ) قد ورد الوعيد بعذاب النّار في جزاء بعض السّيّئات غير الكفر كما قال تعالى
( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها )
وورد في الأخبار من قضى « 1 » صلاة واحدة متعمّدا بقي في النّار حقبا فلم يكن عذاب النّار مخصوصا بالكفّار . ( أقول ) امّا ورد في القاتل فهو مخصوص بمستحلّ القتل ومستحلّ القتل كافر كما ذكره المفسّرون وما ورد في السّيّئات غير الكفر من الوعيد بعذاب النّار فلا تخلوا تلك السّيّئات من شائبة صفة الكفر مثل استخفاف تلك السّيّئة واستصغارها وعدم المبالاة بإتيانها واستحقار الأوامر الشّرعيّة ونواهيها وقد ورد في الخبر : شفاعتي « 2 » لأهل الكبائر من أمّتي . وقال في حديث آخر : أمّتي « 3 » أمّة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة . وقوله تعالى
( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ )
الآية ، مؤيّد لهذا المعنى كما مرّ وأحوال أطفال المشركين ومن نشأ في شاهق الجبل ومشركي زمن الفترة مسطورة في المكتوب الّذي كتبته لولدي محمّد سعيد بالتّفصيل فليراجع هناك . ( وفي ) زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما اختلاف بين العلماء قال الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي اللّه عنه : الإيمان لا يزيد ولا ينقص .
وقال الإمام الشّافعيّ رضي اللّه عنه : يزيد وينقص . ولا شكّ أنّ الإيمان عبارة عن تصديق ويقين قلبيّ ولا يتصوّر فيه الزّيادة والنّقصان والّذي يقبل الزّيادة والنّقصان فهو داخل في دائرة الظّنّ لا اليقين .
( غاية ما في الباب ) أنّ إتيان الأعمال الصّالحة يورث جلاء ذلك اليقين وصفاءه وإتيان الأعمال غير المرضيّة يكدّره ويظلم ضياءه فالزّيادة والنّقصان بحسب إتيان الأعمال الصّالحة وضدّها راجعان إلى جلاء اليقين لا إلى النّفس اليقين ولمّا وجد طائفة جلاء وصفاء في يقينهم قالوا بزيادته بالنّسبة إلى يقين ليس فيه ذلك الجلاء والصّفاء وكأنّهم لم يروا اليقين الّذي لا جلاء فيه يقينا بل اعتقدوا أنّ اليقين هو اليقين الّذي له جلاء فقط دون غيره فقالوا لذاك ناقصا .
( وأمّا ) الّذين فيهم حدّة النّظر فلمّا رأوا أنّ تلك الزّيادة والنّقصان راجعان إلى وصف اليقين لا إلى نفس اليقين لم يقولوا بزيادة اليقين ونقصانه بالضّرورة ومثل ذلك كمثل المرآتين المساويتين في الصّغر والكبر المتفاوتتين بحسب الجلاء والنّورانيّة فرآهما شخص وقال للّتي جلاؤها أكثر إنّها أزيد وأكبر من
هامش
( 1 ) ( قوله من قضى صلاة الخ ) اى تركها متعمدا ثم قضاها قال مخرجه لم أجد له أصلا لا في الكتب المعتمدة ولا في غير المعتمدة وانما اخرجه بعض المتأخرين من المتفقهين في كتابه . ( القزانى رحمة اللّه عليه )
( 2 ) ( قوله شفاتى لأهل الكبائر من أمتي ) رواه الترمذي وأبو داود عن انس وابن ماجة عن جابر رضى اللّه عنهم ( القزانى رحمة اللّه عليه )
( 3 ) ( قوله أمتي أمة مرحومة الحديث ) اخرج الخطيب في المتفق والمفترق وابن النجار عن ابن عباس رضى اللّه عنهما بلفظ أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة إذا كان يوم القيامة اعطى اللّه كل رجل من أمتي رجلا من أهل الأديان فكان فداؤه من النار ( واخرج ) دطب ك عن أبي موسى بلفظ أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة انما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا ا ه . وفي سند الأول عبد اللّه بن ضرار عن أبيه قال ابن معين لا يكتب حديثه ا ه . راموز ( القزانى رحمة اللّه عليه )