فاجتهد أيّها الأخ في التبرؤ من الحول والقوة ؛ لعلّك تظفر بمقام القرب والمشاهدة ، وتنال ثمة مما لديه .
127 - أنفع الكلام ما كان عن مشاهدة ، أو إنباء عن حضور .
لأن كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ، فكلامه يبرز وعليه أنوار المشاهدة والحضور ، كيف لا ينفع القلوب ؟ ! وكيف لا يورث السرور والحبور تسبق أنوار الحكماء أقوالهم ، فحيث صار التنوير وصل النعيم ، فقلوب وصل إليها أنوار العارفين أولا ، ثم يصل إليها كلامهم ثانيا ، كيف لا تتناثر وينمو غراسها ، وكيف لا يورق بشابها ، وكيف لا يخضر له ساقا .
فاجتهد أيّها الأخ في ملازمة الذّكر والحضور ؛ لعلّك تجذب جذبة تغيبك عنك ، وتصير بها من أهل المشاهدة وأرباب الصدور .
128 - الذّكر : ما غيّبك عنك بوجوده ، وأخذك منك بشهوده .
الذّكر : شهود الحقيقة ، وخمود الخليقة .
إذا غيّبك عنك بشهوده فهذا غاية مراتب الذّكر كما تقدّم ، وهو عين شهود الحقيقة وخمود الخليقة ؛ إذ من شهد الحقيقة خمدت خليقته ، ومن خمدت خليقته فنيت أوصافه ، وغابت عنه بشريته ، وكل ذلك من فوائد ذكر لا إله إلّا اللّه ، والتحقق بآداب معنى محمد رسول اللّه .
فاجتهد أيّها الأخ في غرس : ( لا إله إلّا اللّه ) في أرض قلبك ، واسق هذا الغرس ، وعله بمياه أنهار : ( محمد رسول اللّه ) تصل إلى ربك .
هامش
- إلا التوجه المطلق ؛ ولذلك كان آخر الأمر الكريم أول الأمر العزيز ، ولو كان الذي ذكروه على الوجه الذي يقال فيه إن الزمان في حق اللّه لا يصح ، وإذا أخبر أخبر عن معلومه ، ومعلومه لا يفوت ، ولا يتجدد عليه شيء ، ولا ينظر إلى مطلوبه بالقوة ، ولا ينتظره ، ولا فقده قط ؛ لكان الأمر قبيحا بالإضافة إلى ما يريده ، فكيف وعرفة عند جميع الأنبياء في غير هذه الصفة ، وبغير هذه الحلية ، وفي دون ذلك ، وكذلك في السماوات والأرض .
انتهى . وانظر : رسائل ابن سبعين ( ص 538 ) بتحقيقنا .