فاجتهد أيّها الأخ في صحبة العارفين ، واستعن على تقوية يقينك ، وصلاح دينك بأنفاسهم في كل حين ؛ لعل نظرة منهم تحل عليك فتجذبك إلى مولاك ، وتخرج من قلبك سواد ، وتزهدك في دنياك وأخراك .
115 - الزّهد : العزوف عن الدنيا ، والإعراض عنها لحقارتها ، وتركها لاستصغارها ورؤية هوانها .
لما بيّن لك السالك الطريق ، وأشار لك أنه لا بدّ من إزالة التعويق عن صحبة الأغيار ، ومجالسة الأشرار ، شرع يبين لك معنى الزّهد الذي لا يتم معنى التعويق به ، ولا يصفو القلب لصاحبه إلّا بلباس فاخر ثيابه .
وحقيقة الزهد كما ذكرناه العروض عن الدنيا ، والإعراض عنها لحقارتها ، وتركها لاستصغارها ، ورؤية هوانها .
والدنيا عند العارفين : كل ما دنا إلى قلبك ، وشغلك عن ربك ، سواء كان ذلك درهما ، أو دينارا ، أم ضياعا وعقارا ، أم حالا ومقاما ، ومكاشفة وأنوارا ، أم جنة وحورا ، وقصورا وأنهارا ؛ إذ الكل دنيا عند العارف ، إذ ليس له جنة إلّا مولاه ، وذكره في صباحه ومساه .
كما قال أبو يزيد رضي الله عنه : إذا أعطاك حلاوة من ذكره فما تريد بالجنة ؟ ! .
وورد في الحديث : « إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة لا يتحسرون إلّا ساعة مرّت لهم في الدّنيا بغير ذكر اللّه » « 1 » : أي يتحسرون على ما فاتهم من نصيبهم من تلك الساعة من جنة العارفين .
فأنفق أنفاسك يا أخي في تحصيل هذه الجنان ، واشترها أنت بنفسك وأموالك ، وزد على ذلك الثمن ببذل الروح والجنان ، فما أنفسها من تجارة عند الكاملين من أهل العرفان ، وما أربحها من بضاعة عند الذائقين الواصلين مقام الإحسان ، فإذا صحّت لك أيّها الأخ هذه المعاملة ، وذقت حلاوتها ، فلا تضيع حقوق إخوانك ، فتبتلي بنقدها ، وذوق مرارتها .
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في مسند الشاميين ( 1 / 258 ) .