ليسوا من أهل الفكر والنظر « 1 » ، وإنما الفكر لإناث الرجال وهم الفلاسفة ، وأهل الأرصاد ، فإن قيل : هذا الحكم الذي : ليت تحكم على أحكام العقل أيضا من أحكام النظر والفكر ؛ لأنه ليس من مدركات الحس ولا من البديهيّات فلم يبق إلا النظر ، فكيف تثبت به مدّعاك .
قلنا : ليس كما تقول ؛ بل هو من الإعلام الإلهي والإلهام الربّاني ، فتتلقاه النفس الناطقة من ربها كشفا وذوقا من الوجه الخاص ، فإذا صورت المسألة بعد الكشف يكون هذا مصداقه .
فإن قيل : إن اللّه تعالى أمر بالتفكّر ، ومدح التفكّر ، قال تعالى :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ آل عمران : 191 ] في مقام المدح .
وقال تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
[ الغاشية : 17 ] .
وقال اللّه تعالى :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف :
185 ] .
وقال :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] ، وأمثالها من الآيات كثيرة التي تدل على ثناء الاستدلال ، واستعمال الفكر .
قلنا : ما ذهبنا إلى أن الفكر ليس له نتيجة ، بل وما خلقه اللّه سدى ، ولكن أهل اللّه لما علموا أن الفكر يخطئ ويصيب ، وأنه غاية علم الرسوم ، وأهل الاعتبار من الصالحين ، وأنه يعطي المناسبات بين الأشياء تركوه لأهله ، واتقوا منه أن يكون حالا لهم ؛ ليلحقوا بالذين فطروا على العلم باللّه ، والموحي إليهم ابتداء من اللّه وعناية بهم كالملائكة والأنبياء ، والأولياء عليهم السلام هكذا ذكره رضي اللّه عنه في الباب الرابع والأربعين ومائة ، والخامس والأربعين ومائة .
بل قال رضي اللّه عنه في مواقع النجوم :
هامش
( 1 ) قال سيدي علي وفا قدس سره : النظر دائر بين معان يميزها ما تعدّى به ، فإن تعدى بنفسه فقلت نظرته فمعناه الإدراك ، وإن عديته باللام فقلت : نظرت له فمعناه التدبير ، وإن عديته ب ( إلى ) فمعناه المودة والترقب ، وإن عديته ب ( في ) ، فقلت : نظرت فيه فمعناه التفكر والتحرر .