فإنها تذكرة وتعيها أذن واعية ، ثم بالفهم فصّلوا فلو لا الإيهام ما كان الإبهام ، ولولا الإبهام ما احتيج إلى الإفهام ، فإن الفهم قوة لا تصرف لها إلا في المبهمات وغوامض الأمور ، ويحتاج صاحب الفهم إلى معرفة المواطن .
ومع هذا لا يأمن من مكر اللّه ؛ لأن نشأة الإنسان تقبل الشهوات والغفلات والنسيان ، فما كل من أوتي العلم أوتي الفهم .
قال تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] قيل :
هي الفهم « 1 » .
هامش
( 1 ) قال سيدي ابن سبعين : والحكمة في اللغة : هي العلم والعدل ، كما رسمها سيدنا رضي اللّه عنه في الكلام على أنواع الحكمة ، وفي : « الرسالة الإصبعية » قال : إنها العلم والعدل ، وزاد : وضع الشيء في محله ، والحكمة في الشرع : هي السنّة لقوله تعالى :وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ[ الأحزاب : 34 ] .
والحكمة : الفهم عن اللّه ؛ لقوله تعالى :يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ[ البقرة : 269 ] ؛ معناه الفهم عنه .
وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في رسالة : « الكلام على الحكمة » ، وفي : « الرسالة الفقيرية » ، وإذا نظرت معناها يرجع إلى اشتقاقها في اللغة ، فإن العلم والعدل : هو معقول السنّة والإيمان والعمل الصالح والعلم : هو الفهم عن اللّه فقوله : والاتصاف بالحكمة .
أراد بذلك أن تظهر الحكمة على العبد وتستجيب في سيرته ، وتعلم من سريرته حتى يسمى بها حكيما ؛ لقوة ظهورها عليه بالعلم والعمل .
وقوله رضي اللّه عنه : التي تفيد الصورة المتممة للسعيد .
قيدها ودلّ ذلك على إن الحكمة من الأسماء المشتركة ، وإن منها ما يفيد الصورة المتممة ، ومنها دون ذلك ؛ ولذلك قيدها بقوله : التي تفيد الصورة المتممة ؛ فإنه قد يطلق الحكيم في العرف على الذي يدبر الأمراض الجسمانية ، وهو الطبيب الذي يحفظ صحة البدن ، ولا يفيد الصورة المذكورة ، لكن كان له من الحكمة اشتراك ، وهو العلم بأخلاط الجسم ، والخاص بمضاره ومنافعه .
وكذلك الفيلسوف الإلهي هو الذي جمع أقسام الفلسفة الأربعة ؛ يطلق عليه حكيما ويسمى -