كأنك ما فهمت ما ذكره لك بلسان آخر من ألسنته رضي اللّه عنه ؛ لاتساع الرحمة وإطاعة الأمر حيث نهي لا تمتعوا هذه الرحمة التي وسعتكم .
فاعلم أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أنّ الحمد هو ثناء وله ثلاث مراتب : حمد الحمد وحمد المحمود لنفسه ، وحمد غيره له وما تم مرتبة رابعة ، ثم في الحمد الذي يحمد الشيء نفسه ، أو بحمده غيره تقسيمات ، إمّا أن يحمده بصفة فعل ، وإمّا بصفة تنزيه وما تم حمد ثالث بهذا التقسيم .
وأما حمد الحمد له فهو في الحمدين بذاته لو لم يكن لما صح أن يكون لها حمد ، ثم أن الحمد على المحمود قسمان ، منه أن يحمد بما هو عليه وهو الحمد الأعم ، ومنه أن يحمد على ما يكون منه وهو الشكر العرفي الأخص ، فانحصرت الأطراف واجتمعت المحامد ، وإما تعيين الكمالات التي تدل على ما ذكره لا يتناهى كما أخير أعلم الخلق باللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال في بيان المقام المحمود :
« فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن »
« 1 » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم :
« لا أحصي ثناء عليك »
« 2 » ؛ لأن ما يتناهى لا يدخل في حيطة الإحصاء والوجود ، ولما كان كل عين حامدة ومحمودة في العالم كلمات الحق الظاهرة من نفس الرحمن بفتح الفاء ونفس الرحمن ظهور الاسم الباطن ، والحكم الغيب فهو الظاهر والباطن فرجعت إليه عواقب الثناء كله ؛ بل إليك فافهم .
فلا حامد ولا محمود بل ولا الحمد إلا اللّه ، ولا الحمد إلا العبد ، فإن من هذا المشرب ما قلناه : إن حقيقة الحمد هو العبد المقدس فلا تقف مع ساحل الألفاظ ، وخض بحر المعاني مجرّد عن لباس الصور والأواني ، لعلك تهدي بهذا فإن صعب عليك المرام من حيث أنه إلغاز وإيهام .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 183 ) ، وذكره السيوطي في شرحه ( 1 / 103 ) .
( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) ، والنسائي ( 1 / 231 ) ، ومالك ( 1 / 214 ) ، والترمذي ( 5 / 524 ) ، وأبو داود ( 1 / 232 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 1 / 127 ) .