- تعالى - وبين معلومه بون يعقل أبدا من الزّمان ، فلم يكن بينهما إلّا التّميّز بالرّتبة ، ولا يصحّ أن يكون الخلق في رتبة الحقّ أبدا ، كما لا يصحّ للمعلول أن يكون في رتبة العلّة من حيث ما هو معلول فيها ، إذ العلم الإلهيّ يطلب كون المعلوم بذاته ، ولا بدّ ، ولا يعقل بينهما زمان مقدّر ، ولا يلزم ، كما لا يلزم مساواة المعلول علّته في سائر المراتب ، وكيف يتصوّر علم بلا معلوم به ، انتهى .
وقد تقدّم الكلام على قوله - تعالى - :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
« 1 » ، ولا يصحّ من العالم الخبير - سبحانه وتعالى - أن يستفيد علما من المعلومات ، وجعل اللّه - تعالى - عن ظاهر ما يقتضيه قوله - تعالى -
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
من أنّ معنى
الْخَبِيرُ *
هو من يحصّل العلم بعد الابتلاء لا قبله ، بل هو - تعالى - العالم بجميع ما يكون من العبيد قبل كونه « 2 » ؛ أي ظهوره ، ومن رحمة اللّه - تعالى - التّنزّل لعقول عباده كما يتنزّل لعقولهم في آية الاستواء ، والنّزول إلى سماء الدّنيا ، ونحو ذلك ، مع أنّ ظاهر ذلك كلّه ينافي صفات التّنزيه التي هو - تعالى - عليها .
فإن قيل : فإذا يجب الإيمان بما أخبر به - تعالى - عن نفسه ، وإن لم يتعقّل ذلك .
فالجواب : نعم ، يجب الإيمان بذلك ، ومن لم يؤمن به فاته من العلم باللّه - تعالى - حظّ وافر ، وهو على النّصف من مقام المعرفة باللّه تعالى ، فإنّه - تعالى - تعرّف إلينا بصفات التّنزيه وبصفات التّشبيه ، ولا سبيل لنا إلى ردّ « 3 » صفات التّشبيه لورودها في الكتاب والسّنّة .
هامش
( 1 ) ( محمد ، الآية 31 ) .
( 2 ) يناقش محيي الدين هذا المفهوم قائلا : " وبهذا المقام انفرد الاسم " الخبير " ، وهو من أعجب أحكام الأسماء ؛ لأن الخبرة إنما جاءت لاستفادة علم المخبر المختبر ، وهذا في الجناب الإلهي العلم محقق بما يكون من هذا المختبر ( اسم مفعول ) ، فلا يستفيد علما المختبر ( اسم فاعل ) ، فيظهر أنه لا حكم لهذا الاسم ، . . . ، ولو كان كما زعموا لكان نقصا ، وإنما أوقعهم في ذلك قوله - تعالى -حَتَّى نَعْلَمَ، وهو حجة عليهم " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 4 / 479 .
( 3 ) " ك " : " رد " ساقطة ، والمعنى غير مستقيم .