والمخلطين يبنون تارة في الجنة وتارة في النار والمرجع في أمرهم إلى الخاتمة وإلى عفو اللّه عز وجل ، فإن بدل اللّه تعالى سيئاتهم حسنات بالتوبة النصوح فلا يبعد أن تبدل مساكنهم في النار درجات في الجنة كذلك ، وإن لم يبدل اللّه سيئاتهم لعدم التوبة الخالصة فهم تحت المشيئة كعصاة الموحدين الذين ماتوا على غير توبة ، ولا يخفى ما في ذلك من الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة نسأل اللّه اللطف .
وأما أهل النار الذين هم أهلها فلا يبنون دائما إلا في النار ولا بناء لهم في الجنة مطلقا ، قال تعالى :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
[ يس : 59 ] .
وهم أربع طوائف :
الأولى : المشركون وهم الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر .
والثانية : المتكبرون كفرعون والنمروذ وأضرابهما .
والثالثة : المعطلون وهم الذين نفوا الإله جملة .
والرابعة : المنافقون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ولا يخلو ما أبطنوه من ثلاثة أحوال لأنه إما إن يكون شركا أو تكبرا أو تعطيلا .
وقد بسطنا الكلام على أهل النار في خاتمة كتابنا المسمى « باليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر »
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النساء : 25 ] واعلم أنه يجب على كل عاقل أن يحمي نفسه من دخول النار امتثالا لقوله تعالى الذي هو أشفق على العبد من والديه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ التحريم : 6 ] .
أي قوا أنفسكم بترك كل مذموم شرعته على ألسنة رسلي ، وهذا العهد جامع للعهود السابقة كلها ، فإن كل منهي عنه داخل فيه
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ النور : 46 ] .
وروى البخاري « كان أكثر دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
[ البقرة : 201 ] .
وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيّبة » .
وروى الشيخان : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا حذّر من النّار أعرض وأشاح حتّى يظنّ النّاس أنّه ينظر إليها » .
قال الفراء : والشيح على معنيين : المقبل إليك والمانع لما وراء ظهرك ، وقوله أعرض وأشاح : أي أقبل .