قلت : في هذا الحديث تصريح بأن أحكام الدار الآخرة قد تخالف الحكم الشرعي في دار الدنيا ، وإلا فقد صرحت الأحاديث بتحريم الغيبة والنميمة ، وإن كان صاحبها محقا واللّه أعلم .
وروى الحاكم وقال صحيح الإسناد عن عمرو بن العاص أنه زار عمة له فدعت بطعام فأبطأت الجارية فقالت ألا تستعجلين يا زانية ؟ فقال عمرو سبحان اللّه لقد قلت عظيما هل اطلعت منها على زنا ؟ قالت : لا واللّه ، فقال إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول :
« أيّما عبد أو امرأة قال أو قالت لوليدتها يا زانية ولم تطّلع منها على زنا جلدتها وليدتها يوم القيامة لأنّه لا حدّ لهنّ في الدّنيا » واللّه تعالى أعلم .
[ الترهيب من ترويع مسلم أو الإشارة إليه بسلاح ونحوه ولا جدا ولا مزحا خصوصا الأطفال : ]
( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نروّع مسلما ولا نشير إليه بسلاح ونحوه لا جادين ولا مازحين لا سيما الأطفال ، إذا طلبنا أننا نخوفهم ليناموا في الليل مثلا أو يسكتوا عن الصياح خوفناهم بتغليظ الصوت أو البعوة ، كقولنا اسكت البعوة جاءت ونعني بها قيام الساعة لأن كل عاقل يخاف من مجيئها ، وهذا العهد يقع في خيانته كثير من الناس ويقولون إنما نلعب فيقال لهم تلعبون بشيء نهى عنه الشارع صلى اللّه عليه وسلم واعتنى بالنهي عنه .
واعلم أن من أقبح الأمور أن يخاصم الرجل أخاه ثم يصير يخيفه بشكواه من بيوت الحكام ، وربما حلف أنه لا بد أن يشتكيه للمفتش مثلا أو للقاضي أو للوالي ، وربما كان المخاف ضعيف القلب لا عادة له بدخول بيوت الحكام فيرى سلب ماله أهون عليه من الحكام والوقوف بين أيديهم .
فالزم يا أخي حرمة المسلمين كما أمرك الشارع ولا تتهاون وتقول إنما أنا ألعب وليس مقصودي شكوى حقيقة فإنه سوء أدب عظيم ، فإياك ثم إياك من ذلك واللّه يتولى هداك .
وقد روى أبو داود أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا سائرين مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقام رجل منهم فانطلق إلى رجل معه جمل فأخذه ففزع فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلما » .
وفي رواية للطبراني أن رجلا كان مسافرا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فخفق على راحلته فانتزع رجل سهما من كنانته فانتبه فزعا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلما » ومعنى خفق : نعس .
وروى أبو داود والترمذي مرفوعا : « لا يأخذنّ أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادّا » .