تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
خلق اللّه كما تشفق على نفسك ولا تتجبر إلا على من أمرك بالتجبر عليه ، واللّه يتولى هداك . وروى مسلم وأبو داود وغيرهما مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى كتب الإحسان على كلّ شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته » . وروى الطبراني وغيره : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم مرّ على رجل واضعا رجله على صفحة شاة وهو يحدّ شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها قال أفلا قبل هذا ؟ أتريد أن تميتها موتتين » . وروى ابن ماجة مرفوعا : « إذا ذبح أحدكم فليجهز » أي يسرع ذبحها ويتممه . وروى النسائي والحاكم وصححه مرفوعا : « ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقّها إلّا سأله اللّه عزّ وجلّ عنها ، قيل يا رسول اللّه وما حقّها ؟ قال يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها » . وقوله « فما فوقها » يعني في الصغر قاله بعض المفسرين . وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا : « من مثّل بذي روح ثمّ لم يتب مثّل اللّه به يوم القيامة » واللّه تعالى أعلم .

[ النهي عن عدم التهاون بترك حج الفرض : ]

( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بترك حج الفرض مع الاستطاعة ولو خفنا أن أحدا يسعى في إخراج أنظارنا عنا أو تدريسنا ، وخطابتنا أو غير ذلك ، بل نخرج إلى حجة الإسلام ولو فاتتنا الدنيا بحذافيرها ، فإذا قضينا حجة الإسلام فلنا ترك حج التطوع إذا خفنا ما ذكر ، لأن تحصيل ما به قوام معايشنا من الوظائف المذكورة أولى من حج التطوع مع الحاجة إذا رجعنا إلى أوطاننا ، وهذا العهد يخل به كثير من الناس مع القدرة ، فيكون عنده من الأمتعة والكتب ما يفضل عن مؤنة حجه ذاهبا وراجعا بل يكفيه نفقة سنة أو سنتين بعد الحج ويترك حجة الإسلام ويحتج بخوف السعي على وظائفه ، والإنسان على نفسه بصيرة وقد قال تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا
[ الحج : 27 ] . يعني أنهم يأتوك مشاة ولا ينتظرون حصول شيء يركبونه تعظيما وخوفا من تأخير أمر اللّه عز وجل . وقد بلغنا أن الخليل عليه السلام ، لما أمره اللّه تعالى بالختان لم ينتظر الموسى بل بادر بأذن القدوم يعني الفأس فاختتن بها ، فقيل له يا خليل اللّه هلا طلبت الموسى ، فقال إن تأخير أمر اللّه شديد . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ صادق يرقبه في درجات التعظيم للّه تعالى حتى يصير فوات الدنيا في جنب طاعة اللّه كفوات ذرة من التراب ، وفوات ذرة من طاعة اللّه تعالى أصعب عليه من فوات الدنيا بحذافيرها لو كانت في يده
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 561 | عبد الوهاب الشعراني / محمد عبد السلام ابراهيم