لستم علماء ، وإنما أنتم مقلدون بالعلم يسمع أحدكم المسألة ويحكيها فقط ، ولو أنكم كنتم تعملون بعلمكم لتجرعتم الغصص فإن العلم كله محثكم على التورع في المأكل والملبس حتى لا يجد أحدكم رغيفا يأكله ولا خرقة يواري بها عورته ، واللّه لقد لبست الحصير كذا كذا شهرا حتى وجدت ثوبا من حلال . وكان الربيع بن خثيم يقول : كيف يرائي العالم بما يعلم مع علمه بأن كل ما لا يبتغي به وجه اللّه يضمحل ، وكان إذا دخل عليه أمير على غفلة وهو يدرس العلم يغتم لذلك ، وكان إذا بلغه أن أحدا من الأمراء عازم على زيارته لا يدرس علما ذلك اليوم خوفا أن يراه ذلك الأمير وهو في محفل درسه العظيم . وكان يقول : من علامة المخلص في علمه أن ينقبض في نفسه إذا مدحه الأكابر ويتأثر كما يتأثر ممن اطلع عليه وهو يزني .
وكان الحسن البصري يقول : يقبح على طالب العلم أن يشبع من الحلال في هذا الزمان فكيف بمن يشبع من الحرام ، واللّه إني أود أن الأكلة تصير في بطني كالآجرة فتكفيني حتى أموت فإنه بلغنا أنها تمكث في الماء ثلاثمائة عام وأكثر . وكان يقول ورع العلماء إنما يكون في الشبهات وإنما ورعهم اليوم عن المعاصي الظاهرة . وكان يقول بلغنا أنه يأتي آخر الزمان رجال يتعلمون العلم لغير اللّه كي لا يضيع ، ثم يكون عليهم تبعته يوم القيامة ، فليفتش الإنسان نفسه . وكان بكر بن عبد اللّه المزني رضي اللّه عنه يقول : علامة المرائي بعلمه أن يرغب الناس في العلم ليقرؤوا عليه ، ثم إنه إذا شاوره أحد في القراءة على غيره لا يرغبه كل ذلك الترغيب .
وكان عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه يقول : قد غلب على القراء في هذا الزمان أكل الحرام والشبهات حتى أنهم غرقوا في شهوة بطونهم وفرجهم واتخذوا علمهم شبكة يصطادون بها الدنيا فإياكم ومجالستهم . وكان يقول لولا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس ولكنهم صاروا يحترفون بعلمهم ويصطادون به الدنيا فهانوا في ملكوت السماوات والأرض . وكان يقول من عقل الرجل أن لا يطلب الزيادة من العلم إلا إذا عمل بما علم فيتعلم العلم كي يعمل به إذ العلم إنما يطلب للعمل .
وكان الشعبي رضي اللّه عنه يقول : اطلبوا العلم وأنتم تبكون ، فإن أحدكم إنما يريد به زيادة إقامة الحجة على نفسه يوم القيامة .
ولما ترك بشر الحافي الجلوس لإملاء الحديث قالوا له : ماذا تقول لربك إذا قال لك يوم القيامة لم لا تعلم عبادي العلم ؟ فقال أقول له يا رب قد أمرتني فيه بالإخلاص ولم أجد في نفسي إخلاصا .
وكان سفيان الثوري يقول : إذا رأيتم طالب العلم يخلط في مطعمه ويأكل كل ما وجد فلا تعلموه العلم فإن من لا يعمل بعلمه شبيه بشجر الحنظل كلما ازداد ريا بالماء
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 497
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٤٩٧