وروى أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه الحاكم وصححه وابن ماجة عن أم سلمة قالت : كان أحب الثياب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القميص . ولفظ ابن ماجة وهي رواية لأبي داود « ولم يكن ثوب أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من القميص » واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
[ يستحب استحضار قلوبنا مع اللّه في عباداتنا : ]
( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نحضر قلوبنا مع اللّه تعالى عند كل نعمة تجددت علينا ، ونتلقاها بكل شعرة فينا ، ونحمد اللّه تعالى عليها كما ورد ولا نرى نفوسنا تستحق ذرة منها بكسبها وقوتها بل هي محض فضل من اللّه تعالى علينا من غير استحقاق .
وكان عيسى عليه السلام يقول للحواريين : بحق أقول لكم ، واللّه إننا لا نستحق على ربنا الرماد نسفه . وفي رواية : واللّه لأكل التراب والنوم على المزابل مع الكلاب ولبس المسوح من الثياب لكثير على أهل الدنيا .
وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول في سجوده : اللهم إني أعترف بين يديك بأني لا أستحق ذرة واحدة مما أنعمت به عليّ في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أعترف بين يديك بكل ذنب فعلته جوارحي إلى وقتي هذا فتطول عليها بالعفو والمغفرة لتطمئن .
وكان يقول : من أراد تخليد النعم عليه فليتلقاها بالشكر والاعتراف بالذنب ، فإن من تلقاها مع الغفلة فقد حل عقالها وعرّضها للزوال وهذا شأن غالب الناس اليوم فيتلقون النعم وهم غائبون عن الشكر كالبهائم السارحة ، ولذلك تفلتت منهم النعم وربما أخذوها مع الاستهانة بها ، فكان ذلك سبب زوالها وفي الحديث : « إنّ اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السّلام : يا موسى إذا جاءتك منّي باقلّاة مسوّسة على يد أحد من عبادي فاشكرني على ذلك فإنّي مهديها إليك ولا ترى نفسك أهلا لها هكذا شأن العبيد » .
واعلم أن تتمة الشكر أن يتصدق العبد بالخلق إذا لبس الجديد ولا يحبسه عنده إلا لغرض شرعي ، كأن يعده للمحتاج إليه من قرابته أو يكون من وجه حل :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
. واعلم أن أعظم الشكر والحمد على النعمة أن يكون ذلك بالفعل لا بالقول قال تعالى :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
[ سبأ : 13 ] . ولم يقل قولوا آل داود شكرا ، وهذه الأمة أولى بذلك لعلو مقامها فافهم ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه شكرا للّه ولم يكتف بالقول ، فما ورد من الاكتفاء بالشكر بالقول إنما هو رخصة للضعفاء .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
.
وسمعت أخي أفضل الدين يقول : يجب على الشاكر أن يرى جميع ما يشكر به ربه من جملة نعم اللّه عليه ، فلا يرى أنه كافأ الحق في نعمة من النعم ، ولو سجد على الجمر من افتتاح الوجود إلى انتهائه :
وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
[ التغابن : 6 ] .
وروى أبو داود والحاكم مرفوعا : « من أكل طعاما فقال : الحمد للّه الّذي أطعمني