ثم اعلم أن من الناس من لم يقسم اللّه تعالى له ولعياله رزقا إلا من الوظائف على طريقة فقهاء الزمان ، فتأنف نفس ذلك المعيل أن يباشر تلك الوظائف ، إمّا تكبرا وإما خوفا أن يقول الناس فيه إنه دنيوي كما يقع لبعض المعتقد فيهم ، بل رأيت بعضهم لم يباشر وظيفته كذا وكذا سنة ، وطلب من الناظر أن يصرف له معلومها ، فأبى إلا أن يباشرها فسلط عليه جماعة من ذوي اللسان ، واشتكوا الناظر وحبسوه كأنه هو الجاني ، وأعرف جماعة لا يسألون الناس مع حاجتهم وإن أعطوهم شيئا ردوه بحضرة الناس ، ويأكلون معلوم وظائفهم من غير مباشرة ، مع أنهم يفتون بتحريم ذلك في حق غيرهم ، وهذا كله من الجهل وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« ليس المعطي بأفضل من السّائل إن كان محتاجا » .
وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : اسع على عيالك ليلا ونهارا ولو سماك الناس دنيويا فإنه خير من أن يسموك صالحا وأنت تأكل صدقاتهم وأوساخهم ، وناظر لما في أيديهم ، وكل من لم يعطك شيئا تصير تكرهه ، مع أن تلك الكراهة من غير حق .
وقد رأى سيدي علي الخواص مرة شخصا من مشايخ العصر ، كان يتجر في البز والقماش ، فترك ذلك وعمل شيخا ، فقال له : ارجع إلى حالتك الأولى فإنها أرجح لك ، وأطهر لقلبك فلم يسمع ، فدعا الشيخ عليه بمحبة الدنيا وحرمانه منها فصار بعد شهر كذلك فلا هو يترك الدنيا ولا يقدر على أن يأكل منها ولا يتصدق منها ، ولا ينفق على عياله فتلف بالكلية لمخالفته الإشارة ، وبلغني أن له الآن كل سفرة نحو خمسة عشر ألف دينار في بلاد التكرور وفي بلاد الشام وفي الحجاز ، وقد قالوا : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح .
فاعمل يا أخي على تحصيل النفقة عليك وعلى عيالك كل يوم بيوم ، ولا تدخر شيئا إلا لعذر شرعي .
« واللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه » واللّه تعالى أعلم .
وقد تقدم في كتاب الصدقات الترغيب في النفقة على الزوج والأقارب ونقدمهم على غيرهم .
وروى مسلم مرفوعا : « دينار أنفقته في سبيل اللّه ، ودينار أنفقته في رقبة ، ودينار تصدّقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الّذي أنفقته على أهلك » .
وفي رواية لمسلم والترمذي : « أفضل دينار ينفقه الرّجل دينار ينفقه على عياله ، ودينار ينفقه على دابّته في سبيل اللّه ، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللّه » .
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 266
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٢٦٦