وقد كانت رابعة عدوية رحمها اللّه تعالى لا تهدأ ولا تنام ولا تفطر حتى ماتت ، قال الداراني رحمه اللّه صليت معها ليلة فلما كان الصباح ، قلت لها يا رابعة ما جزاء من قوانا على قيام هذه الليلة ، قالت : أن تصوم له النهار وتقوم له الليل حتى تموت .
وقد كانت رملة العابدة رحمها اللّه تكثر الصوم حتى اسود جلدها وبكيت حتى عميت وصلت حتى أقعدت ، قال إبراهيم الخواص رحمه اللّه صليت معها ليلة فلما كان السحر سمعتها تقول يا ليتني لم أخلق ثم تبكي ، وكان صالح المري رحمه اللّه تعالى يقول :
قرأت مرة قوله تعالى :
[ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ]
« 1 » فسمعها عابد فصعق ثم أفاق فقال : أعدها علي فأعدتها عليه فخر ميتا ، وقد وعظ عبد الواحد بن زيد رحمه اللّه الناس مرة فصاح رجل من ناحية المسجد كف عن كلامك يا واعظ فقد كشفت قناع قلبي ، فلم يكف عبد الواحد فصرخ الرجل ثم خرجت روحه ، قال ابن القاسم وأنا ممن شهد جنازته رحمه اللّه تعالى ، وقد قرأ زرارة بن أبي أوفى رضي اللّه عنه قوله تعالى :
[ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ]
« 2 » ، وكان في الصلاة فخر ميتا .
وكان عمر بن أدهم رحمه اللّه تعالى يعصب عينيه إذا خرج إلى السوق لا يرى كافرا ولا غافلا عن اللّه تعالى ، وكان له غلام يقوده فقال لغلامه يوما أين نحن ؟ قال : في المقابر فحل العصابة عن عينيه فوقع بصره على القبور فخر ميتا .
وقد كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إذا ذكر النار بكى حتى يسمع وجيب قلبه من مسيرة ميل ، فقال له جبريل عليه الصلاة والسلام يوما هل رأيت خليلا يعذب خليله ، فقال يا جبريل : إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي ، وكان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى يقول : بلغنا أنه لما نزل قوله تعالى :
[ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ]
« 3 » ، صاح سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ووضع يده على رأسه وخرج هائما فمكث ثلاثة أيام لا يعي شيئا ، وكان محمد بن المنكدر رحمه اللّه تعالى إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ويقول : بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسه الدموع .
وقد كان الإمام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يقول : من استطاع أن يبكي فليبك ومن لم يستطع فليتباك ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : من كان يريد القرب من
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 66 .
( 2 ) سورة المدثر : الآية 8 ، 9 .
( 3 ) سورة الحجر : الآية 43 .