الأعلى كما هو في الحيوان وليس الأمر كما زعموا بل لما كان الخيال كما ذكرنا يصور الحق فما دونه من العالم حتى العدم كان أعلاه الضيق وأسفله الواسع هكذا خلقه اللّه وشهدناه من طريق كشفنا فأول ما خلق اللّه منه الضيق وآخر ما خلق اللّه منه ما اتسع وهو الذي يلي رأس الحيوان ، ولا شك أن حضرة التكوين والأفعال أوسع الحضرات قال : ولهذا لا يكون العارف اتساع في العلم إلا بقدر ما يعلمه من العالم ثم إنه أراد أن ينتقل إلى العلم بأحدية اللّه تعالى لا يزال يرقى من السعة إلى الضيق قليلا قليلا وعلومه تنقص فإذا تم عمله ولم يبق له معلوم إلا الحق تعالى وحده كان ذلك أضيق ما في القرن فضيقه هو الأعلى على الحقيقة وفيه الشرف التام وهو الأول الذي يظهر منه في رأس الحيوان إذا أثبته اللّه تعالى فلا يزال يصعد على صورته من الضيق وأسفله يتسع وهو لا يتغير عن حاله فهو المخلوق الأول ألا ترى الحق تعالى أول ما خلق القلم المعبر عنه بالعقل فما خلق اللّه إلا واحدا ثم أنشأ الخلق في ذلك الواحد فاتسع العالم وكذلك العدد منشؤه من الواحد ، قال : ولا يخفى أيضا أن اللّه تعالى إذا قبض الأرواح من هذه الأجساد أودعها صورا جسدية في مجموع هذا القرن النوري فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن وبنورها يدرك فهو إدراك حقيقي وقال : ومن الصور هنالك ما هي مقيدة ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلهم وأرواح الشهداء ومنها ما يكون له نظر إلى عالم الدنيا من هذه الدار ومنها ما يتجلى للنائم في حضرة الخيال قال وأما نحو قوم فرعون فهم يعرضون على النار في ذلك الصور غدوا وعشيا ولا يدخلونها فإنهم محبوسون في ذلك القرن وفي تلك الصورة ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب وهو العذاب المحسوس لا المتخيل الذي كان لهم في البرزخ بالعرض على النار فإنه عذاب محسوس في الخيال بالحس فافهم ، فإنه محل غلط فيه من لا كشف عنده فإن الحس لا يغلط أبدا وإنما يغلط الحاكم عليه كصاحب المرة الصفراء يدرك العسل مرا فعلم أن كل من في البرزخ محبوس في صور أعماله مرهون بكسبه إلى يوم يبعث من تلك الصورة في النشأة الأخرى انتهى . وأما بيان شبه المنكرين للبعث فقال الشيخ أبو طاهر رحمه اللّه فاعلم رحمك اللّه أن الفلاسفة أنكروا البعث للأجساد وتعلقوا بشبه ضلوا فيها وأضلوا كثيرا من الناس ومعظم شبههم سؤالان الأول قولهم إن الإنسان ليس إنسانا بمادته بل بصورته وإنما تكون
شرح
المدار . وقال : القرآن أحق بالتعظيم من السلطان لأن القرآن لا يجور والسلطان قد يجور ، فلا يحجبك عما قلناه إن اللّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فإن ذلك إنما هو من حيث أن السلطان ناطق ، والقرآن صامت فاعلم الفرقان تفهم القرآن . وقال : الإخبار يعرب عن الإسرار والإخبار كما يشهد للمؤمن بالإيمان كذلك يشهد عليه بالبهتان والدليل على ذلك خبر الهدهد فيما أخبر به سليمان :قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ( 27 ) [ النمل : 27 ] فإن شهد له العيان أو الضرورة من الجنان وقع الإيمان وإلا لحق بالبهتان لو كان مطلق الإيمان يعطي السعادة لكان المؤمن بالباطل في أكبر عبادة ومن آمن بالباطل أنه باطل فحاله غير عاطل .