وسمعته مرة أخرى يقول : مرتبة هؤلاء المربين أنهم يعلمون الناس الآداب مع الحق ويجمعون قلوبهم على اللّه .
وسمعته يقول : علامة الشيخ الذي يجب الأدب معه أن يكون عارفا بالكتاب والسنة ، قائلا بها في ظاهره ، متحققا بها في سره ، يراعي حدود اللّه ويوفي بعهد اللّه ، لا يتأول في الورع بل يأخذ بالاحتياط في سائر أحواله ، يشفق على جميع الأمة ، لا يمقت أحدا من العصاة ، بل يتلطف به ، ويدعوه إلى الخير برحمة ورفق ، جوده مطلق على البر والفاجر والشاكر والجاحد كأن جميع الخلق عائلته .
ثم اعلم يا أخي أن أحدا من السالكين لم يصل إلى حالة شريفة في الطريق أبدا إلا بملاقاة الأشياخ ومعانقة الأدب معهم والإكثار من خدمتهم ، ومن ادعى الطريق بلا شيخ كان شيخه إبليس ، فهو وإن وقعت على يديه كرامة فهي استدراج لكرامة الدجال الأعور إذا خرج آخر الزمان .
وكان الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه يقول : من سلك بغير شيخ ضل وأضل ، ومن حرم احترام الأشياخ ابتلاه اللّه تعالى بالمقت بين العباد وحرم نور الإيمان .
وكان أبو تراب النخشبي رضي اللّه عنه يقول : إذا ألف القلب الإعراض عن اللّه صحبته الوقيعة في أولياء اللّه .
وكان أبو القاسم القشيري رحمه اللّه يقول : لو لم يكن للمريد من الباعث على الأدب إلا قول موسى عليه السلام للخضر :
« هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً »
لكفاه ذلك ، فإن موسى عليه السلام لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب فاستأذن أولا في الصحبة ثم شرط عليه الخضر أن لا يعارضه في شيء ، ولا يعترض عليه في حكم من الأحكام ، ثم لما خالفه موسى تجاوز الخضر عنه المرة الأولى والثانية ، فلما انتهى إلى الثالثة التي هي أول حد الكبيرة قال له :
« هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ »
.
إذا علمت ذلك فأقول وباللّه التوفيق : من شأن المريد أن لا يدخل في صحبة شيخ إلا بعد استخارة وانشراح صدر لصحبته وإلا فربما دخل بغير اعتقاد ولا احترام ، فجره ذلك إلى المقت .
وقد كان سيدي عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه يقول : من لم يعتقد في شيخه الكمال لا يفلح على يديه أبدا .
وكان أبو علي الدقاق رحمه اللّه يقول : من دخل في صحبة شيخ ثم اعترض عليه بعد