تعالى ، ما لتك الصفة من المحال الرفيعة التي عنها شفه ، وأن يدرك ذلك من نفسه ، ولا تحقّق به في عالم قدسه ؛ فهو صاحب دعوى لا شهود ، وشطح مردود عليه به غير معدود ، وهذا المدّعي ببهتان كذبته شواهد الامتحان .
وصاحب هذا المشهد هو الملامتي الفرد ، والملامتية انفردوا بقلوبهم مع الحق ، فلا ينزلون عن عبوديتهم طرفة عين ، ولا يدركون للرئاسة طعما ؛ لاستيلاء الربوبية على قلوبهم تحقّقا وعلما ؛ لأنهم على صلاواتهم دائمون ،
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] .
ثم بعد التحقّق في الصفات نفى عن حبه الآفات ، يفتح لطالب الارتقاء أبواب العطاء ؛ قفل باب مثله لم يفتح ؛ لأن التجلّي لا يتكرر ؛ بل هو منساب ، وبعد التحقّق في رتب الفناء التسعة الحلوة الجنا ، وذوق مقامات البقاء ، والاستقصاء من حوض اللقاء بلوح ، بلوح أروح ، شهود كنز التوحيد الذاتي ، ويثمر أشهاد هذا الكشف الجامع الهامع بكل سرّ موات نتائج غيبية لا يلمحها إلا عقل كلي ، ولا يترسّخها إلا فهم مستمد من النور الإلهي .
وهذه دائرة الولاية الكبرى المسفرة بالعجائب دنيا وآخرة ، وهنا بلغت المن فتطيح الإشارات ، وتضيق العبارات ، وتتضاءل الفهوم ، وتتقاصر مطولات العلوم ، وتفنى الرسوم بتجلّي الحي القيّوم ، وتأتي العلوم اللدنية الطرية الجنية ، ويكون الأكل من فوق لا من تحت الأرجل ؛ ليتمكّن وطوق .
وتعظم في هذا المقام ، والحيرة المحمودة ، ويقرّ صاحبه بالعجز عن المعرفة الكلية ، المصمودة للذات الإلهية عن طريق الصفة الثبوتية النفسية التي الحق تعالى عليها في نفسه ؛ إذ العقل لا يدرك بنظره إلا صفات السلوب ، فيقول الواصل الكاشف عن عذب هذا المراشف :
سبحانك ما عرفناك حق معرفتك ، عجز الواصفون عن صفتك ؛ هذا العجز فيه العز ، وهذه الحيرة فيها الخيرة .