بتفاوت مراتب إدراك المتعقلين واستعدادات المجالي ، والتعين الذاتي لا مانع له من مجامعته للجميع ؛ لكونه أوسع التعينات ، وإنما المانع من جهة التعين الزائد الخاص لكن اللّه تعالى واسع حكيم بالنص فيكون متعينا بذاته ، فمن سعة يجامع الجميع ، ومن حكمته يختلف مراتب تجلياته وتعيناته باختلاف استعداد المظاهر ، ومع كونه تعالى واسعا أطلق عليه في الحديث الصحيح اسم الشخص ، ولا منافاة بين سعته وتشخصه ؛ لأن تشخصه بذاته وهو أوسع العينات المجامع لجمعيها والتعين المنافي للسعة هو التعين الزائد وهو منتف ، ولهذا قال الشيخ : ولم يكن له تقييد مانع من تقييد ، وسبحان اللّه الحكيم الحميد ! .
وقال الشيخ محيي الدين - قدس سره - في الباب الثاني والأربعين ومائة « 1 » :
المسمى ب ( اللّه ) أو ب ( هو ) من لا تقيده الأكوان ، ومن له الوجود التام ، انتهى .
والإطلاق الحقيقي مصحح لتجلّ الحق تعالى في المظاهر مع بقاء التنزيه ؛ لأن الإطلاق ذاتي له وما بالذات لا يزول ، ومنه يظهر إجراء المتشابهات على ظواهرها مع التنزيه ب
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] كما هو مذهب السلف الصالح ، والقول الأخير للشيخ أبي حسن الأشعري المذكور في كتابه « الإبانة » الذي هو آخر مصنفاته والمعتمد من بينها ، فإن الشيخ الأشعري قال : إن الوجود عين الذات ، فإذا قال صح ذلك بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع التنزيه بقوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، فقد قال بأنه تعالى هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي إذ التجلي في الظاهر كما هو مقتضى إجراء المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه لا يتم إلا بأن
هامش
( 1 ) فيه ( 3 / 342 ) .