فإن الحقائق لا تتبدل ، ولهذا نقص من خرج من طريقتنا في أي حضرة تقع مشاهدة الألوهية ، ولذلك سمي عالم التمثيل والتبدل برزخا ؛ لكونه وسطا بين حقائق جسمانية وحقائق غير جسمانية ، فتعطي ذات هذه الحضرة المتوسطة ، وهذه التجليات تربط بها المعاني بالصور ربطا محققا لا ينفك .
وقد أشار إلى هذا المقام بعض العارفين في حكاية أذكرها بإسناد متصل إلى السري قال الجنيد : قال السري : سمعت عليهم الأسود يقول : من أقبل على الأشياء وهو يريدها ذهبت عنه ، ومن تركها أتته .
قلت له : كيف ذلك يا سري ؟ قال : كان يذكر أنه كان يكتسب ويجتهد فلا يقوم بكفاية معيشته ، فقال : فقرأت هذه الآية
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ
[ الأنعام : 46 ] ، فتركت الكسب متوكلا على اللّه بالكفاية ، فلو ضربت بيدي إلى هذه الأسطوانة لصارت ذهبا ، وضرب يده على الأسطوانة فإذا هي تلوح ذهبا ، قال : يا سرى ، الأعيان لا تنقلب ، ولكنك هكذا تراه بحقيقتك بربك .
فانظر في قوله : هكذا تراه يعني المرئي ، أي الرؤية عائدة إلى الرائي ، يعني الصورة المشهودة لذلك ، ومن هنا أيضا زلت أقدام طائفة عن مجرى التحقيق ، فقالت :
ما سمة إلا ما نرى ، فجعلت العالم هو اللّه ، واللّه نفس العالم ليس أمرا آخر ، وسببه هذا المشهد لكونهم ما يتحققون به تحقق أهله ، فلو تحققوا به ما قالوا بذلك وأثبتوا كل حق في موطنه علما وكشفا .
فاترك تأويل الأخبار الواردة بالتشبيه لمن وصف بها نفسه ؛ إذ لم تكن من أهل