فالمذهب الأول من المذهبين الذي هو قول صاحب « المقاصد » وهو الفناء في التوحيد ، لابد أن يحمل على وجه يقبله العقل السليم والذهن المستقيم ، وإلا فهو مجرد عبارة لا حاصل لها ، بل ربما يقال : إن الذي حصل له ذلك الاضمحلال إنما كان من قبيل الخيال ؛ لأنه خلاف الظاهر ، إذ المعروف المقرر أن العالم عالم والحق حق ، فالذي لا يرى العالم قد أخطأ لقصور في نظره ، والذي يمكن أن يحمل عليه ويوجه إليه هو أن يكون للحق سبحانه نسبة خاصة إلى سائر أجزاء العالم ، فيكون هويته مصاحبه لكل ماهية مصاحبة ، خاصة على ما تقدم في المقدمة وأشار إليه كلام السيد الشريف سابقا .
وعلى هذا فالحق مبدأ آثار الماهيات الذهنية والخارجية ، فهو معها أينما كانت ، قال تعالى :
هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] ، وقال :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ فصلت : 54 ] .
وقال :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] فمن الناس من لا يشعر بهذه المعية أصلا ، بل ليس في قابليته التنبه لها ، ومنهم من تنبه لها تقليدا كعوام أهل الإسلام ، وهو أول مراتب النجاة ، ومنهم من ضم إلى التقليد التأييد فعرف اللّه تعالى بالبرهان ، وأشعل في ظلمه غياهب غيبه وأضرم القابلية بزناد حدسه ، ومشى قدمي فكره ،
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[ البقرة : 20 ] وهذه مرتبة المتكلمين من الموحدين خواص أهل الإسلام .
ومنهم من ضم إلى الإيراء بالرؤية ، وإشعال سراج الفكر في الزاوية الخيالية سلوك طريق التقوى حتى نال العلم الوهبي كما تقدم في المقدمة ، وذلك لأنه قطع نظره