هامش
في بستان ، وكان يعتقد شيئا من ذلك ، فأخذ سفرجلة وقطعها من الشجرة ، وقال له : ألست أنا قطعت هذه السفرجلة ؟ فقال له رضي اللّه عنه مجيبا : إن كنت تزعم أنك خلقت هذه التفرقة فيها فاخلق وصلها بالشجرة حتى تعود كما كانت . فبهت وتحير ولم يقدر على جواب .
وبلغني أيضا أن بعض القدرية وقف على إحدى رجليه وشال الأخرى ، وقال : ألست أنا رفعت هذه وحططت هذه ؟ فقال له بعض أهل السنة : إن كنت تزعم أنك خلقت الشيل في هذه المشتالة فاخلق الشيل في الأخرى حتى تصير مشتالة معها ، فبان له الحق ورجع عن قوله الباطل .
دليل آخر من جهة العقل : وهو أنك تقول : حقيقة الخلق والإحداث هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، وإذا كان الواحد منا على زعمكم يقدر أن يخلق حركة معدومة حتى يخرجها من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق شيئا زائدا فيخرجه من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق له لونا غير لونه فيخرجه من العدم إلى الوجود ، وفي هذا القول الخبيث التسوية بين قدرة اللّه تعالى وقدرة العباد ، وأنهم يقدرون على ما يقدر عليه . تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا . فصل في ذلك أيضا نذكر فيه شبها يزعمون أن لهم فيها حجة ، وليس حجة بحمد اللّه تعالى ، كما قال :حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ[ الشورى : 16 ] . فإن احتجوا بقوله تعالى :جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ[ السجدة : 17 ] قالوا : فأثبت لنا العمل ، والعمل هو الفعل ، والفعل هو الخلق ، فالجواب : أنه تعالى أرادها هنا بالعمل الكسب ، والعبد مكتسب على ما بينا .
ويدل على ذلك : أنه قال في موضع آخر :جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ[ التوبة : 82 ] نحن لا نمنع أن يكون سمي كسب العبد عملا له ، إنما نمنع أن يكون العبد خالقا مخترعا لفعله مخرجا له من العدم إلى الوجود ، وقد بينا أن الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، فلم يكن لهم في الآية حجة .
فإن احتجوا بقوله تعالى :فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ[ المؤمنون : 14 ] ، وبقوله تعالى :الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ[ السجدة : 7 ] وبقوله تعالى :وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ[ المائدة : 110 ] فالجواب من أوجه : أحدها : أنه يعني بقولهأَحْسَنُ الْخالِقِينَ[ المؤمنون : 14 ] يعني أحسن المقدرين ، فعيسى عليه السّلام يقدر الطين صورة ، والخلق يقدرون الصورة صورة ، لا أنهم يخرجون الصورة من العدم إلى الوجود ، فقال تعالى :أَحْسَنُ الْخالِقِينَأي المقدرين . فاعلم ذلك .
جواب آخر : وذلك أن اللّه تعالى هو الخالق لا خالق سواه ، لكن لما ذكر معه غيره قال :أَحْسَنُ الْخالِقِينَوإن كان هو الخالق على الحقيقة دون غيره ، كما يقال : عدل العمرين ، وإنما هو أبو