خاتمة
المعلومات المرتسمة تسمى عند أهل اللّه الأعيان الثابتة وهي من حيث ثبوتها في علم الباري تعالى غير مجعولة ، إذ لو كانت مجعولة للزم الجهل بها قبل الجعل وهو محال ، ولأنها ظلال الحروف العالية وهي الشؤون الذاتية ، وهي غير مجعولة لكن من حيث إنها موجودة في حضرة العلم بالفيض الأقدس ، قد يقال فيها : إنها مجهولة ، وينظر إلى هذا الجعل الاسم المدبر والمفضل والمقدر ، وأما جعلها بالوجود العيني الخارجي فلا شبهة فيه وهو الفيض المقدس .
وبعد أن علمت ما قررناه في هذا الفصل ، فلا بأس أن نتلوا عليك نبذة من كلام الشيخ رضي اللّه عنه في هذا المقام مما يكون كالشرح والمؤيد والتتمة لما أسلفناه .
قال رضى اللّه عنه في الباب السابع عشر من « الفتوحات المكية » : وأما انتقالات العلوم الإلهية فهو الاسترسال الذي ذهب إليه أبو المعالي إمام الحرمين ، والتعلقات التي ذهب إليها عمر بن الخطيب الرازي ، وأما أهل القدم الراسخة من أهل طريقنا فلا يقولون هنا بالانتقالات ، فإن الأشياء عند الحق مشهودة معلومة الأعيان والأحوال على صورها التي تكون عليها ، ومنها إذا وجدت أعيانها إلى ما لا يتناهى ، فلا يحدث تعلق على مذهب أبي الخطيب ، ولا يكون استرسال على مذهب الإمام أبي المعالي - رحمة اللّه عليه رحمة واسعة - فإذا أوجد اللّه الأعيان ، فإنما أوجدها لها لا له ، وهي على حالاتها بأمكنتها وأزمنتها على اختلاف أمكنتها وأزمنتها ، فيكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى على التتالي والتتابع ، فالأمر بالنسبة إلى اللّه واحد كما قال :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
[ القمر : 50 ] .