وقوله : ( والأغصان تتفرع من الأصل ) وهذا أظهر في الإشارة إلى الاستمداد بالواسطة من الحياة الناشئة من الماء ، فإن مجموع ما ذكر يتوقف وجوده على هذا الأصل .
وقوله : ( والأصل واحد ) عاد إلى ذكر الواحد مشيرا إلى أحدية الوجود ونفي الكثرة في الحقيقة ، وأما في الظاهر ، فإنه يقول لولا الواحد لما وجدت الكثرة كالحال في أصل الثمر .
وقوله : ( ولولا الأرض ما ثبت الأصل ) يشير به إلى الواسطة الموجبة للكثرة من الواحد فإنه لولا كثافة هذا الجسم التي هي بمنزلة الأرض لما يجري ، وكذلك أصل الثمار لولا الأرض لما ظهر ولولا ظهوره لما تفرع .
وقوله : ( ولو الأصل ما كان الفرع ) الإشارة إلى الاختصار في اللفظ ، كأنه يقول :
وبالجملة لولا الواحد لما كانت الكثرة إذ هو أصلها .
وقوله : ( ولولا الفرع لما كان الثمر ) يشير به إلى بيان تعلق الموجودات بعضها ببعض ، وكذلك قوله في تمام هذا الخطاب : ( ولولا الثمر ما وجد الأكل ) يشير به إلى الواسطة التي تقيم الجسد ، فإنه بواسطة وجود الثمر وجد الأكل ، وفي مثل هذا نقل عن الإمام العالم أبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي رحمه اللّه أنه أخبر أن امرأة قد وضعت ولدا بغير فم ، فقال : يكون أم هذا المولود بغير ثدي ، ففحصوا عن ذلك فوجدوها كما قال ، فسألوه من أين لك ذلك ؟ فقال : لما ولد بغير فم عرفنا أن اللّه تعالى لم يجعل له رزقا ، ومنه المثل العامي « من شق الأشداق يأتي بالأرزاق » .
وقوله : ( لولا الأكل ما وجدت اللذة ) عاد إلى ذكر الذوق ، فإنه بواسطة الذوق ، حصل للعارف هذا الوصف وبواسطة الأكل حصل الذوق والأكل هاهنا بمنزلة الاتصاف ، فكأنه يقول : لولا الاتصاف لما حصل لهذا العارف الفرق بين المطاعم وما أشبهها .
وقوله : ( فكله متعلق بالأرض ) يشير به إلى الواسطة التي يستمد الموجودات بها الحياة ، فإن كل شيء لا يخلو من الكثافة وهي الأرض المذكورة وبواسطتها تستمد الحياة والأرض مفتقرة إلى الماء هذا ظاهر المعنى ، إذ الماء هو الحياة لأن كل شيء يريد الاستمداد من الحياة حتى الأرض والجماد .
وقوله : ( والماء مفتقر إلى السحاب ) يشير به إلى استمداد القريب من البعيد ، فإن السحاب بخار البحر ، ويرسله اللّه من الغني إلى الفقير ، فإن البحر مستغن عن الحياة والأرض الهامدة مفتقرة إليه ، فيفيض اللّه عليها بواسطة تراكم الأبخرة مترامية من البحر الحياة بالماء .
وقوله : ( والسحاب مفتقر إلى الريح ) يشير به إلى كيفية واسطة الفيض من الغني
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 373
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٧٣