تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
وقد علم من هذا أنه رضي الله عنه من أهل الأندلس الذين هم من أهل المغرب الأقصى في الفضائل المعروفة ظاهرا ونصّا . وقد أقام بفاس مدة ، ولقي بها من الأفاضل عدة ، وكان له بها مسجد بعين الخيل منها يؤم فيه ، ولا زال كثير من أهل الخير إلى الآن يقصده يتبرك به ، وهذا المغرب الأقصى وخصوصا منه فاسا ونواحيها هو الذي خرجت منه الأولياء الجماهير ، والكبار المشاهير ، كالشيخ الأكبر هذا ، وكالإمام الشهير أبي عبد اللّه : محمد بن سليمان الجزولي مؤلف دلائل الخيرات ، والشيخ أبي الحسن الشاذلي شيخ الطريقة الشاذلية المشهورة شرقا وغربا ، والقطب سيدي أحمد البدوي دفين طنطا ، والقطب الغوث سيدي عبد العزيز بن مسعود الدّباغ ، والغوث الذي مكث جل عمره في الغوثانية سيدي علي الجمل ، وتلميذه مولاي العربي بن أحمد الدرقاوي شيخ الطريقة الشاذلية الدرقاوية وإمامها ، والقطب سيدي أحمد ابن إدريس العرايشي المشهور باليمن ، صاحب الأحزاب والصلوات ، والذي تفرعت عنه طرائق مختلفات ، وغيرهم ممن يكثر جدا ، ولكنه هاجر الكثير منهم إلى البلاد المشرقية ليعم النفع بهم سائر البرية ، ولأنها منبع الأنوار والحقائق بحلول سيد السادات بها وخير الخلائق صلى اللّه عليه وسلم وفي ذلك يقول صاحب الترجمة رضي الله عنه :
رأى البرق شرقيا فحنّ إلى الشرق * ولو لاح غربيا لحنّ إلى الغرب إن غرامي بالبريق ولمعه * وليس غرامي بالأماكن والترب
ولد رضي الله عنه ليلة الاثنين سابع رمضان المعظم سنة ستين وخمسمائة بمرسية ، ثم انتقل منها لإشبيلية وللمرية ، وطاف وجال في البلاد [ 1 / 8 ] المغربية ، وكتب لبعض الولاة بالأندلس ، ثم ترك ذلك وخرج تائها في البراري إلى أن نزل في قبر فمكث فيه أياما ، ثم خرج يتكلم بهذه العلوم التي نقلت عنه ، ولم يزل سائحا في كل بلد بحسب اللذة ، ثم رحل منها ، ويخلف ما ألفه من الكتب فيها ، وارتحل إلى المشرق حاجّا فحج وزار ، وأقام بالحجاز مدة ، ودخل مصر وبغداد والموصل وبلاد الروم وسكنها مدة ، ولقي جماعة من العلماء والصلحاء وجهابذة الحديث ، وأخذ عنهم وأجازوه ، ولقيه هو جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه ، وكان آية من آيات اللّه علما وعملا ودينا ، وتقى وزهدا وتوكلا ويقينا ، وكان أعلم زمانه بحيث إنه كان في كل فن متبوعا لا تابعا لأحد من أقرانه ، وكان في الكشف والتصوف والتحقيق بحر لا يجارى وإماما لا يغالط ولا يبارى ، متضلعا بالحقيقة والشريعة ، متمسكا منهما بأقوى ذريعة ، وله في التوحيد القدم الراسخة ، وفي