أعمال الراغب العابد .
تحرير : التجريد على قسمين : قسم يظهره أصحابه للأبصار ، وقسم يكتمه أهل البصائر الكبار .
تنوير : الزّهد على قسمين : زهد في الدنيا ، وزهد في الآخرة .
فالأول : للسعداء .
والثاني : للأشقياء .
وقد يكون الزهد في الآخرة لمن لا رغبة له فيها شغلا باللّه عما سواه .
قال تعالى :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[ الأنعام : 91 ] .
ثم إن الزهد وإن كان من الوصف المحمود فهو يتفاوت باعتبار كل شاهد ومشهود ، فزهد المريد في أمتعة الدنيا والمال ، وزهد العابد في كل ما شغل البال ، وزهد أهل الورع في مباح الحلال والطمع ، وزهد السالكين فيما يحجبهم عن قيام الدين ، وزهد أهل الأحوال ، في أحوال غيرهم من الرجال ، وزهد أرباب المقامات فيما يصدّهم عن المشاهدات ، وزهد أصحاب المعارف فيما يقطعهم عن العوارف ، وزهد أهل التحقيق الكبار فيما سوى الحق من الأغيار .
وهؤلاء يرون مقام الزهد عندهم عين الحجاب ، وقشرا شغل به أهله عن اللباب ، وموجب ذلك رؤية الغير في الشهود ولهذا لم يفهموا المقصود « 1 » .
هامش
( 1 ) نورد في معرفة الزهد وقصر الأمل في الدنيا إشارات ولطائف من أقوال شيخ الزاهدين وسيّد الطائفة الإمام الجنيد قدّس اللّه سره .
قال الجنيد : إن أمكنك ألا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل .
وسئل عن الزهد فقال : الزهد خلو القلب عمّا خلت منه اليد ، واستصغار الدنيا ، ومحو آثارها من القلب .
وسئل عن الزهد ؟ فقال : خلو اليد من الأملاك ، والقلب من الطمع .
وقال : الزهد خلوّ القلب ممّا خلت منه اليد .
وسئل عن الزهد ؟ فقال : للزهد معنيان ، ظاهر وباطن ، فالظاهر : بغض ما في الأيدي من الأملاك ، وترك طلب المفقود ، والباطن : زوال الرغبة عن القلب ، ووجود العزوف والانصراف عن ذكر ذلك ، فإذا تحقق بذلك رزقه اللّه تعالى الإشراف على الآخرة والنظر إليها بقلبه ، فحينئذ يجدّ في العمل بتقصير الأمل ، وتقريب الأجل ؛ لأن الأسباب عن قلبه منقطعة ، والقلب منفرد بالآخرة ، وحقيقة الزهد قد خلصت إلى قلبه ، فامتلأ من الذكر الخالص لربه سبحانه وتعالى ، فالزهد عن حقيقة الإيمان والمشاهدة للآخرة تكون بعد الزهد واستواء الأشياء ، فيكون عدمها كوجودها بعد -