أن ( الخليفة ) الحقيقي ( غيب يحجب ) عن نظر العامة ( السلطان ) الذي هو : الخليفة الظاهر لتكون الصورة على نهج الأصل ، ولهذا لا يعرف الخليفة الحقيقي من لم يبلغ مرتبته إلا باعتبار ظاهر صورته .
وإنما كان الخليفة غيبا ليناسب به الحق ، إذ ( وصف الحق نفسه بالحجب الظلمانية ، وهي الأجسام العنصرية ) « 1 » ، قيد الأجسام بها لكمال معنى الحجابية فيها ؛ لأن تبدل الصور فيها يدل دلالة واضحة على أن لها مادة استترت بصورتها ، فلما صار بعضها حجابا على بعضها فهي أولى بكونها حجابا على غيرها والسماوات السبع عنده من الأجسام العنصرية بخلاف تلك المنازل وتلك البروج والعرش والكرسي .
ثم وصفها بقوله : ( الكثيفة ) ؛ لأن الكثافة تدل على الظلمة ووصف نفسه أيضا بالحجب النورانية : ( وهي الأرواح اللطيفة ) فإنها لما كانت أنوارا قريبة منا حجبت ما وراءها من الأنوار عن العقل واللطافة تدل على نورانيتها .
وهذا إشارة إلى قوله عليه السّلام : « إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 2 » .
فجعل رضي اللّه عنه قوله عليه السّلام بمنزلة قول اللّه تعالى ؛ لأنه لا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] ، ومعنى احتجاب حق بها أنه تعالى أظهر صورها وآثارها ، وأخفى من ورائها أفعاله وصفاته وأسماءه ، وهذه الحجب لا بدّ من تحققها في حق الخليفة أيضا ؛ فإنه يتصرف أيضا بهذه الأجسام والأرواح كأنها جسمه وقواه ؛ فهو محتجب وراءها احتجاب روح الإنسان وراء أعضائه وقواه ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم .
وإذا كانت الكثافة ظلمة واللطافة نورا ، وهما حجابان فالعالم كله حجاب لا متردد بطريق الحصر بين كثيف هي أجسام العالم كله عنصريّا أو غيره ، وإن كان بعضه اللطف من بعض ولطيف هي أرواحه ، وهذا الحجاب ليس بالنسبة إلى الحق يمنعه من إدراك ما في العالم أو ما وراءه ، لو فرض بل هو عين الحجاب على نفسه يمنعه من إدراك الحق الإدراك الكامل ، ولا ينبغي أن يعرض بينه وبين الحق حجاب آخر ، كما هو المتعارف في الحجب الظاهرة من الأجسام ، فلا يدرك العالم الحق مثل إدراك نفسه ؛ لأنه إنما يتم إدراكه برفع الحجاب ، وهو نفسه فإذا رفع نفسه فمن يدرك الحق منه .
( فلا يزال ) العالم ( في حجاب ) عن الحق ( لا يرفع ) عنه ؛ لأنه ما بقي فهو في حجاب نفسه ، وإذا رفع فهو في حجاب العدم هذا ( مع ) حجاب آخر لمن يعلم منه هو حجاب
هامش
( 1 ) في نسخة : « الطبيعية » .
( 2 ) رواه الطبراني في « الكبير » ( 6 / 148 ) .