النّسأة هي التّأخير قال تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[ التوبة : 37 ] والبيع بنسيئة يقول بتأخير ، فلذلك ذكر النّساء ، فما أحبّهنّ إلّا بالمرتبة وأنّهنّ محلّ الانفعال ؛ فهنّ له كالطّبيعة للحقّ الّتي فتح فيها صور العالم بالتّوجّه الإرادي والأمر الإلهيّ الّذي هو نكاح في عالم الصّور العنصريّة ، وهمّة في عالم الأرواح النّوريّة ، وترتيب مقدّمات في المعاني للإنتاج ، وكلّ ذلك نكاح الفرديّة الأولى في كلّ وجه من هذه الوجوه ] .
( ولهذا ) أي : ولكون باطن الروح المدبر لهذا الهيكل الإنساني بالاتفاق ( وصفه الحق بالتدبير لهذا الهيكل ) ، فإنه تعالى قال :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
[ السجدة :
5 ] ، والمعنى المجازي إذا كان أهم من الحقيقي أولى ، فالمراد بالتدبير أعم من التدبير الظاهر والباطن ، والمراد من السماء ما ارتفع حسّا أو معنى ، وهو العلو فتدخل فيه الروح ، والمراد بقوله :
إِلَى الْأَرْضِ
أي : ما انخفض حسّا أو معنى ، ( وهو أسفل السافلين ) ، فيدخل فيه الهيكل الإنساني ؛ وذلك ( لأنها ) أي : الأرض ( أسفل الأركان كلها ) ، وهي النار والهواء والماء والأرض ، وكذا الهيكل الإنساني أسفل المولدات ، وهي المعادن والنبات والحيوانات والإنسان ، لكن سفل الهيكل الإنساني من حيث التأخر في الرتبة ، وهذا المعنى في لفظ النساء أظهر ؛ وذلك لأنه عليه السّلام ( سماهن بالنساء ، وهو جمع ) بتأخر رتبته عن رتبة الواحد ، وإن كان ( لا واحد له من لفظه ) والتأخر أدنى من التقدم ؛ ( ولذلك قال عليه السّلام : « حبب إليّ من دنياكم » « 1 » ) ، فأشار إلى دنوهن « ثلاث » ، فقدم الثلاث ، ثم قال : « النساء » المشعر بالتأخر من جهة كونه جمعا ، ( ولم يقل : المرأة ) ، وإن كان المقصود المرائية .
( فراعى بتأخرهن في الوجود عنه ) ؛ ليظهر أثر الإرادة ، إذ لا أثر لها في التقديم ، وكيف لا ولفظ النساء مشعر بذلك بحسب شبهة الاشتقاق من النسأة والنسيء والنسية ، ( فإن النسأة ) والنسيء والنسية ( هي التأخير ) قال تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ
[ التوبة : 37 ] هو مصدر كالشعير والحريق ، أي : تأخير الأشهر الحرم
زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[ التوبة : 37 ] بتحليل الحرام ، وتحريم الحلال ، قال : لعل العرف المتبع ( بنسيئة ) أي : ( بتأخير ) في إذن الثمن ، ( فلذلك ) أي : فلإشعار لفظ النساء بمعنى التأخير المشير إلى نفوذ القدرة بالإرادة ، وإلى الدخول تحت الأمر ( ذكر النساء ) في خبر الحب الذي يتشبه فيه بحب الحق للمراتب المنفعلة منه بظهور صور ذاته وصفاته وأسمائه ، ( فما أحبهن إلا بالمرتبة ) ، أي : باعتبار كونهن مراتب ظهوره عليه السّلام ، والظهور إنما يتم بانفعال المحل بصورة الشخص ، وذلك يقضي
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .