ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سئل عن علم فكتمه ؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار » « 1 » والمراد إذا كان السائل مستحقا لتحصيل ذلك العلم .
ثم أشار إلى كونه رحمة لا استدراجا بقوله : ( وأرجو أن أكون ممن أيّد فتأيد ) ، وأيد والاستدراج إنما يكون في شأن من يصر على المعاصي ، وهو يعطى العلوم والكرامات ، ثم لا تجره إلى الصلاح ، وأرجو أن أكون ممن أيده اللّه الكريم بروح قدسي مانع من المعاصي حتى صرت كالمعصوم بل عاصما نفسي وغيري عن ذلك .
ثم أشار إلى تعليل ذلك بقوله : ( وقيّد بالشرع المحمدي المطهر فتقيد وقيّد ) ، ثم كأن قائلا قال : ربما يحصل هذا التأييد لبعض الناس ليأمن من مكر اللّه ، فيصير كافرا بذلك ، فقال : ( وأن يحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته ) « 2 » فأرجو دوام ذلك من اللّه تعالى .
والعجب كل العجب ممن يزعم التمسك بهذا الكتاب بتأويل فاسد يوافق ما يهواه ، ثم يجعل الشرع وراءه ظهريا بعد هذا الذي قاله الشيخ في شأنه ، ثم الذي يستعاذ منه ما يراه بعض الجهّال من جعله فوق الكتاب الإلهي والسنة ،
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] ، وإذا كان جميع الكتاب بإلقاء اللّه تعالى ( فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ) أورد هذه العبارة تنزها عن دعوى الربوبية التي تظهر عن أهل الشطح وغيرهم على سبيل الغلبة تحقيقا لاقتدائه بالنبي عليه السّلام حيث كان مفتخرا بالعبودية ، فالعجب من بعض الجهّال من طلبة الكتاب ، إذ يدعي الربوبية لنفسه ، ويزعم أنه مقتد بالشيخ ،
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
[ الرعد : 33 ] .
ثم إنه أطلق المالك والعبد إشارة إلى أنه ملكه بجميع أسمائه ، وأنه صار عبدا من جميع جهاته لجميع تلك الأسماء ؛ فافهم ، واللّه الموفق والملهم .
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في « المستدرك » ( 1 / 337 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 7 / 393 ) .
( 2 ) ومن أعجب ما عندنا من العناية الإلهيّة أن كل رسول يحشر جزئي الحكم لاقترانه بطائفة مخصوصة ، والقطب منّا : أي من المحمديين ليس كذلك ، فإنه عام جامع لكل من في زمانه من بر وفاجر وصالح وطالح . ومن هذه النفخة قال القطب عبد القادر الكيلاني قدّس سرّه : « أوتيتم اللّقب ، وأوتينا ما لم تؤتوا » .