أمّه بكونه تغذّى بذلك الدّم فوقاها بنفسه من الضّرر الّذي كانت تجده لو امتسك هذا الدّم عندها ولا يخرج ولا يتغذّى به جنينها والمرضعة ليست كذلك ؛ فإنّها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه ، فجعل اللّه تعالى ذلك لموسى في أمّ ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلّا لأمّ ولادته لتقرّ عينها أيضا بتربيته ، وتشاهد انتشاءه في حجرها ،
وَلا تَحْزَنَ
[ طه : 40 ] .
ثم أشار إلى أن تغذي القلب والروح بالشرع ، كتغذي البدن بالرضاع في الإحياء والتنمية والتقوية ؛ فقال : ( كذلك ) ، أي : مثل الرضاع ( علم الشرائع ) ، فتحريمها من غير أمه إشارة إلى تحريم غير الشريعة المخصوصة بكل طائفة عليها ، ( كما قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ،
) وأشار بطريق الإشارة إلى سبب هذا الاختصاص بقوله :
( وَمِنْهاجاً
[ المائدة :
5 ] ) ، فإنه وإن كان معناه بطريق العبارة الطريق الواضح ، فهو إشارة إلى ما ذكرنا أيضا ، ( أي : من تلك الطريقة جاء ) كأنه مركب من جاء بخلاف الهمزة بالتخفيف ومن منها ، والضمير إلى الشريعة ، ( فكان هذا القول ) باعتبار مشابهته ياء لفظا ( إشارة إلى ) أن اختصاص كل طائفة بشرعة ؛ لأنها ( الأصل الذي منه جاء ) كل فرد من تلك الطائفة ؛ لكونه في استعداد عينه الثابتة ، وهو الاستعداد منه ، فجيء كل شخص في الخارج في أصل الوجود ، وفي تحصيل الصفات الكمالية التي من جملتها التعبد بالشريعة المخصوصة .
( فهو ) أي : التعبد بتلك الشرعة ( غذاؤه ) سيما من جهة كونه من أصله ؛ فإنه أتم المغذيات في المتغذي الأول وهو النبات ، وإليه الإشارة بقوله ، ( كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله ) ؛ ولذلك يصب الماء في السقي على أصولها لا على أغصانها وساقها ؛ ولاختلاف الأصول اختلفت الشرائع ، ( فما كان حراما في شرع ) لتضرر أهله به بحسب استعدادهم الذي هو أصلهم ، ( يكون حلالا في شرع آخر ) ؛ لانتفاع أهله به بحسب استعدادهم ، وليس هذا من البلاء ، أو تبدل القول في شيء ؛ لأنه إنما يتصور في المتحد من كل وجه ، ولا اتحاد هاهنا من كل وجه ، بل ( نعني ) « 1 » بصيرورة الحرام ( حلالا ) ما اتحدا في الصورة ، ولا يلزم منه الاتحاد بالشخص ، بل غايته الاتحاد بالنوع ، فإن اتحدا بالشخص ، فليس ذلك اتحادا من كل وجه ، إذ الحاضر ( في نفس الأمر ما هو عين ما مضى ) من كل وجه ؛ لأنه إنما يتصور عند اتحاد الذات وجميع العوارض ، لكن العوارض متجددة بالامتثال ؛ ( لأن الأمر خلق جديد ) ، فإن قلنا بإعادة المعدوم ، فليس الثاني عين الأول من كل وجه ، إذ من عوارض الأول زمانه ، ولا يمكن إعادته ؛ ولذلك قلنا : ( لا تكرار ) في التجلي ، وإذا
هامش
( 1 ) في نسخة : « أعني » .