مختلفة أعطت كلّ درجة مجلى إلهيّا عبد فيها ، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه « الهوى » كما قال :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الجاثية : 23 ] ، فهو أعظم معبود ، فإنّه لا يعبد شيء إلّا به ، ولا يعبد هو إلّا بذاته ] .
( ولهذا ما بقي نوع من ) ثلاثة أنواع ( الأنواع إلا وعبد إما عبادة تألّه ) إن كانت الصورة الظاهرة في مرآته كاملة ، ( وإما عبادة تسخير ، ولا بدّ من ذلك ) أي : عبادة التسخير في الكاملة والقاصرة جميعا ، أقول ذلك ( لمن عقل ) ؛ لكن عبادة التأله لا تكون إلا عند ظهور الكمال ؛ وذلك لأنه ( ما عبده شيء من العالم ) عبادة تأله ( إلا بعد التلبس بالرفعة ) ولو ( عند العابد ) لا في الواقع ؛ ( ولذلك ) أي : ولظهور الحق في كل معبود بالباطل بدرجة رفيعة عند عابده ( تسمى الحق لنا برفيع الدرجات ) ؛ ليعلم أن إلهيته بتلك الدرجات كلها لا بدرجة واحدة مع عدم بقية الدرجات ؛ لأنه نقص مناف للإلهية ، ( ولم يقل : رفيع الدرجة ) ، وإن كانت واحدة تقتضي وحدة الصف ، كما قلنا في علمه وقدرته وكلامه : إنه بالعلم الواحد يعلم جميع المعلومات ، وبالقدرة الواحدة يقدر على جميع الممكنات ، وبالكلام الواحد ينطق بكل ما يريد ؛ لئلا يتوهم أن إلهيته بدرجة واحدة ، ( فكثرت الدرجات في عين واحدة ) بالظهور في هذه المظاهر ليعبده بعضهم في الدرجة الجامعة للدرجات ، ويعبده بعضهم وهم المحجوبون باعتبار ظهوره في بعض الدرجات ، ( فإنه قضى ) أي : حكم
( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] في درجات كثيرة مختلفة ) يختص بعضها بالموحدين ، وبعضها بالمشركين المحجوبين ؛ لأنها ( أعطت كل درجة مجلى إلهيّا ) أوهم القاصرين إلهيته إبهام ظهور الشمس في المرآة شمسيتها مع أنها في المرآة لا يشرق العالم ؛ ولذلك ( عبد فيها ) ليكون معبودا من كل وجه كمال .
قال أهل السنة : إن اللّه يريد الكفر من الكافر ، وقد قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، فإن كان من لا يعبد شيئا ، فلا أقل من أن يكون عابدا لهواه ، ( وأعظم مجلى عبد فيه ) الحق عبادة باطلة ( وأعلاه الهوى ) ، وكيف لا وهو سبب عبادة كل معبود باطل ، وهو معبود بالذات ، ( كما قال تعالى ) في حق عبدة المجالي :
( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الجاثية : 23 ] ) ، فعبد بأمره ما عبد من الأصنام وغيرها ، ( فهو أعظم معبود ) باطل كان عابده وحده عابدا لجميع المعبودات الباطلة ، ( فإنه لا يعبد شيء إلا به ) أي : مقرونا بعبادته فهذه عظمته ، ( ولا يعبد هو إلا بذاته ) ، وهذا علوه .
[ وفيه أقول :
وحقّ الهوى إنّ الهوى سبب الهوى * ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى