تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
تكن مذكورة بالفعل ، فهي مفهومة قطعا من كلامه ، فصارت شهادة إلهية ، وهي أقوي من البرهان العقلي . ثم أشار إلى أن من كمال حكمته أن جمع المقصود الكلي من نوعي الحكمة المنطوق بها ، والمسكوت عنها في ألفاظ يسيرة ناطقا بالمنطوق بها صريحا مشيرا إلى المسكوت عنها بإشارات لطيفة بقوله : ( والحكمة قد تكون ملفوظا « 1 » بها ) إذ لا يتضرر بها أحد سمعها ، ( وقد تكون مسكوتا عنها ) لتضرر العامة بسماعها ، فيشار إليها بالإشارات اللطيفة للخاصة ( مثل قول لقمان لابنه ) ؛ ليصير حاملا سر كماله ، فإن الولد ، وإن كان سر أبيه فلا تظهر هذه الأسرار فيه إلا بالولادة المعنوية دون الولادة الطبيعية ؛ فلذلك قال :
( يا بُنَيَّ )
بالتصغير إشارة إلى أن ولادته لم تتم
( إِنَّها )
أي : القصة ، أبهم الضمير ليدل على علو شأن المذكور بعدها بحيث لا يصل إليه فهم كل أحد ولا علمه ،
( إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ )
أشار بعمومها إلى عموم تعلق القدرة والعلم والظهور الإلهي بها ،
( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ )
التي هي عليها السماوات والأرض ،
( أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ )
أشار بعموم مكانها إلى عموم سلطنته وعلمه وظهوره فيها أيضا ،
( يَأْتِ بِهَا اللَّهُ )
[ لقمان : 16 ] أشار بذلك إلى وحدة الفاعل في الكل . ( فهذه ) الدلالة على وحدة الفاعل ( حكمة منطوق بها ) ، ثم بينها بقوله : ( وهي أن جعل اللّه هو الآتي بها ) ؛ لئلا يتوهم أن منها الدلالة على عموم العلم والقدرة ، إذ يعترف بذلك كل مؤمن من العامة مع أنهم ليسوا من أهل الحقائق ، فليسوا من أهل الحكمة بخلاف وحدة الفاعل ، إذ تنكرها المعتزلة ، ويختص بمعرفتها على الكمال أهل الحكمة الجامعون بين القدر والشرع ، ( وقرر ذلك اللّه ) إذ أورده ( في كتابه ) لصدقه في نفس الأمر مع عدم تضرر أحد بسماعه ، وأما ما يتوهم فيه من التخيير ، ونفي التكليف ، فليس بلازم له ، فإن هذا جهة الإيجاد ، وإنما التكليف من جهة الاكتساب ، وهذا الإيجاد متوقف على اكتسابه بحسب السنة الإلهية ، إذ لا يفعله الحق قبل اختياره فلا ينافي التكليف المنوط باختياره واختباره ، وإن كان عن إيجاد الحق الداعية فيه ، فلا يؤخذ الحق فيه إلا باقتضاء عينه أن يوجده فيه بحسب السنة أيضا ، وإنما قلنا قرر في كتابه ؛ لأنه ( لم يرد هذا القول على قائله ) ، ولو كان مردودا عند اللّه لوجب رده ، ولو كان مما يتضرر إظهاره لم يحكه صريحا في كتابه الذي خاطب به كل أحد ، وأكثر ما أورد فيه من الأسرار بطريق الإيماء أو في الألفاظ المتشابهة مع منع العامة عن تعوضها تخصيص فهمها للراسخين .
هامش
( 1 ) هكذا في نسخة الشرح .