الفص اليحيوي فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية
أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بأول أسماء اللّه تعالى ، المتضمن للدلالة على جلال الذات ، المندرج فيه سائر الأسماء والصفات ظهر بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى يحيى عليه السّلام ، إذ أعطى أسماء لم يسم به من قبله كاسم اللّه الذي
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[ مريم : 65 ] ، ويتضمن ما فيه من الصفة تضمن اسم اللّه لسائر الأسماء التي معانيها .
[ هذه حكمة الأوّليّة في الأسماء ، فإنّ اللّه سمّاه يحيى أي : يحيا به ذكر زكريّا ، ولم يجعل له من قبل سميّا ، فجمع بين حصول الصّفة الّتي فيمن غبر ممّن ترك ولدا يحيى به ذكره ، وبين اسمه بذلك فسمّاه يحيى فكان اسمه يحيى كالعلم الذّوقيّ ، فإنّ آدم حيّي ذكره بشيث ، ونوحا حيّي ذكره بسام ، وكذلك الأنبياء ولكن ما جمع اللّه لأحد قبل يحيى بين الاسم العلم منه وبين الصّفة إلّا لزكريّا عناية منه ، إذ قال :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
[ مريم : 5 ] فقدّم الحقّ على ذكر ولده كما قدّمت آسية ذكر الجار على الدّار في قولها :
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
[ التحريم : 11 ] ، فأكرمه اللّه بأن قضى حاجته وسمّاه بصفته حتّى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيّه زكريّا ، لأنّه عليه السّلام آثر بقاء ذكر اللّه في عقبه إذ الولد سرّ أبيه ، فقال :
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
[ مريم : 6 ] ، وليس ثمّة موروث في حقّ هؤلاء إلّا مقام ذكر اللّه والدّعوة إليه ] .
وإليه الإشارة بقوله : ( هذه حكمة الأوّليّة في الأسماء ) أي : الحكمة الجلالية « 1 » حكمة الأولية التي ليست لغير اللّه تعالى إذ له القدم الذاتي ، وله بذلك الاعتبار اسم مختص به شامل على سائر الأسماء شمول الأولية على معلولاتها ظهور هذه الأولية في اسم يحيى ، وجعله متضمنا للمعنى الذي يحيى عليه السّلام علته ، ( فإن اللّه سماه يحيى ) حيث قال لزكريا عليه السّلام :
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى
[ مريم : 7 ] ، وإنما تولى الحق تسميته لمناسبته اسم اللّه تعالى
هامش
( 1 ) التجلي الصفاتي : يعنون به تجريد القوى والصفات عن نسبتها إلى الخلق بإضافتها إلى الحق ، وذلك لأن العبد عندما يتحقق بالفقر الحقيقي الذي ستعرفه ، وهو عبارة عن انتفاء الملك شهودا ؛ فإن قلبه حينئذ يصير قبلة للتجلي الصفاتي ، بحيث يصير هذا القلب التقي النقي مرآة ومجلي للتجلي الوحداني الصفاتي الشامل حكمه لجميع القوى والمدارك ( لطائف الإعلام ص 173 ) .