القبيحة مع حسنه في ذاته ؛ فقال : ( ألا تراه تعالى يقول :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ
) أي : قتل قبيح
( سَيِّئَةٌ مِثْلُها )
أي : قتل يشبهه في أن تركه أولى من فعله ، فجعل القصاص سيئة ، أي :
مسمى بها مع أنه لا قبح فيه ، فلابدّ من تأويله ، ( أي : يسوء ذلك الفعل ) بالنظر إلى العفو ، وأخذ الفدية ( مع كونه ) بالنظر إلى نفسه ( مشروعا ) لا قبح فيه إذ ليس بمكروه ولا محرم ، لكنه يشبه المكروه الذي تركه أولى من فعله ، فسمي باسمه مجازا .
ثم أشار إلى ما هو الأولى ، فقال :
( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ )
بترك العداوة معه من كل وجه
( فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )
، ولم يذكر لمن اقتص أجرا وإن فعل مشروعا ، فكان العفو أولى منه ، وإنما كان أجر العفو على اللّه ؛ ( لأنه ) أي : الجاني المعفو عنه ( على صورته ) المعنوية التي ظهر بها في عينه الثابتة عند إشراق نوره عليها ، ( فمن عفا عنه ) ، وإن لم يقصد بذلك العفو عن صورة الحق ، ( ولم يقتله ) بعد العفو ، فإنه مبطل لأجر العفو موجب لوزر آخر ، ( فأجره على من هو ) أي : الجاني ( على صورته ) ، وإن كان الأجر بحسب القصد والنية ؛ ( لأنه ) أي : العفو ( أحق ) أن يلحق ( به ) أي : بمن هو على صورته ، ( إذ أنشأه ) أي :
الجاني له ، أي : لكونه على صورته ، وما فعل بشيء فعل بما لأجله خلق ؛ وذلك لأنه ( ما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده ) ، إذ ظهوره قبله في العالمين كالظهور بالنسبة إليه ، وإن كان هذا مظهرا قاصرا بالنسبة إلى سائر المظاهر الكاملة الإنسانية ، فلا شكّ في كماله بالنسبة إلى غيرها من العالم سوى الملائكة وصالحي الجن ، وليسوا مظاهر الاسم الظاهر .
( فمن راعاه ) أي : الجاني ، ( فإنما يراعى الحق ) ، وإن لم يقصد مراعاته ترجع إلى قصد مراعاة الحق سيما إذا كان في قلبه أنه يعفو للّه ، كيف وقد خلق ذلك بخلاف عبادة الأصنام ، فإنها وإن رجعت إلى عبادة اللّه من وجه فلا يؤجر عليها ؛ لأنها لم تخلق لأن تعبد ، وإن كانت من جملة مراتب الحق التي تقتضي كماله أن يعبد فيها ، لكن إنما يقتضى ذلك من المحجوبين عن المرتبة الجامعة ، فهي لم تخلق للعبادة بالنسبة إلى الكمّل الذين لا عبرة بغيرهم معهم على أن قصده عبادتها إفادة ظلمة في قلبه موجبة للحجاب عنه ، وهذا ليس كذلك سيما إذا كان قصد العفو للّه مع أنه إنما يعبد المظهر لرؤيته كمال الظهور فيه ، وهو اعتقاد القصور فيه ، ولا يتأتى ذلك في صورة العفو على أن عبادتها لو كانت مبنية على اعتقاد إلهيتها ، فلا يخفى ما في ذلك من عظم الظلمة .
ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يكون هذا الجاني مظهرا كاملا ، وهو مذموم ؟ وكيف يكون أكمل مما في العالم غير الملائكة ، وصالحي الجن ، ولا يذم شيء منه ذمه ؟
قال تعالى :
أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ
[ البينة : 6 ] ، وقال :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ الأعراف : 179 ] .