تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
تسخيره من غير همّة ولا جمعيّة ] . ثم أشار - رحمه اللّه - إلى أثر الرحمتين سيما الرحمة في حق سليمان عليه السّلام بقوله : ( وأما التسخير ) « 1 » أي : تسخير الريح والماء والشياطين والطيور والدواب ( الذي اختص به سليمان ) من بين أفراد الإنسان ، ولم يكن ذلك كتسخير أرباب العزائم لبعضها ، بل فضل به غيره من الأنبياء الأولياء ؛ وذلك لأنه جعل اللّه له من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، إما لعدم بلوغه إلى كماله أو لعدم ظهوره بذلك ؛ فهو كونه حاصلا له عن مجرد أمره بلا همة ولا عزيمة بخلاف من بعده من الأولياء وأهل العزائم ، بل من أمر اللّه تعالى وحده ، فقال :
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ
[ ص : 36 ] ، يدل على أن اختصاصه به من حيث كونه من أمره ؛ لأنه تعالى قيده بذلك ، فما هو أي : اختصاص التسخيرية من كونه تسخيرا أعم من أن يكون بأمره أو بالهمة أو العزيمة أو بأمر اللّه . وإن قيل : إنه لم يدل على نفي اختصاصه بالوجه العام به ، فلابدّ من نفيه لدلالة نص آخر عليه ، فإن اللّه تعالى يقول في حقّنا كلنا من غير تخصيص بالكمّل منا أو بأهل العزائم حتى يقال : إنه اختصاص إضافي ، أي : بالإضافة إلى العامة غير أهل العزائم ،
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] ، أي : من أمره ، وقد ذكر في مواضع أخر من كتابه تسخير الرياح حيث قال :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
[ إبراهيم : 32 ] ، وقال :
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 164 ] ، ولا شكّ أن تسخيرهما تسخير الرياح والنجوم حيث قال :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
[ الأعراف : 54 ] ، وقال :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ
[ إبراهيم : 33 ] ، وغير ذلك حيث قال :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
[ النحل : 79 ] ، وقال في الدواب :
الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
[ الزخرف : 13 ] ، وقال كذلك :
سَخَّرْناها لَكُمْ
[ الحج : 36 ] . وقد ذكرنا تسخير العفريت لنبيّنا عليه السّلام ، ولكن لا عن أمرنا بل عن أمر اللّه بلا واسطة ، فلم نقر بفضيلة ظهوره فينا بالأمرية في هذه الأمور ، وإن كان لنا فضيلة كوننا مسخرا لهم ، وفاز بها سليمان فما اختص سليمان بشيء لأمثلة التسخير ، إن نقلت ولم تقتصر على ما اشتهر إلا بالأمر ، أي : إلا بكون التسخير عن أمرية لا باعتبار كونه أمر أعم من أن يكون بجمعية وهمة ، أو دونهما بل من غير جمعية ولا همة ، فإنهما وإن اختصا بمن له
هامش
( 1 ) وذلك بوجود الشيء لمجرد أمره وقوله .