ولما كان المخطئ أيضا حاكما بحكم اللّه ( الذي أوجب عليه العمل والفتوى ) به فسره بقوله : ( الذي يحكم اللّه به في المسألة أو لو تولاها ) أي : الحكومة ( بنفسه ، أو ) تولى التنصيص عليها ( بما يوحي به لرسوله له أجران ) مع إنما يعتقد الحكم المؤتي به من اللّه عن اجتهاده وعمله ، وأفتى به كالمخطئ إلا أن له مع أجر الاجتهاد المفيد له حكما وعلما أجر الإصابة لحكم اللّه ، ( والمخطئ لهذا الحكم ) المعين الذي تعينه في علم اللّه لو تولى الحكم بنفسه أو أوحى به إلى رسوله ، وإن كان مثل المصيب في الاجتهاد ، ووجود الفتوى والعمل به له أجر واحد هو أجر الاجتهاد فقط ، ( مع كونه ) أي : كون خطئه في الاجتهاد ( علما ) يجب عليه اعتقاده والفتوى به ، ( وحكما ) يجب عليه العمل به ، فصح أن النقيضين حكمان إلهيان إذا صدرا عن الاجتهاد ، وإن الاعتقاد المتعلق بهما علم قطعي ، وإذا صح تشبيه سليمان وداود بمجتهدي هذه الأمة في الإصابة والخطأ .
( فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان في الحكم ) إذا أصابوا ، ( ورتبة داود ) إذا أخطئوا ، ( فما أفضلها من أمة ) إذا كانوا في الخطأ على رتبة بعض الأنبياء الخلفاء ، بحيث يلحق خطؤهم بحكم اللّه في وجوب العمل والتسوي به في الجملة .
[ ولمّا رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة انتقاله في تلك المدّة عندها
قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ
[ النمل : 42 ] وصدقت بما ذكرناه من تجديد الخلق بالأمثال ، وهو هو ، وصدق الأمر ، كما أنّك في زمان التّجديد عين ما أنت في الزّمن الماضي ، ثمّ إنّه كمال علم سليمان التّنبيه الّذي ذكره في الصّرح
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
[ النمل : 44 ] ، وكان صرحا أملس لا أمت فيه من زجاج ؛
فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
[ النمل : 44 ] ، أي : ماء
وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
[ النمل : 44 ] ، حتّى لا يصيب الماء ثوبها ، فنبّهها بذلك على أن عرشها الّذي رأته من هذا القبيل ، وهذا غاية الإنصاف ، فإنّه أعلمها بذلك إصابتها في قولها :
كَأَنَّهُ هُوَ
[ النمل : 42 ] ، فقالت عند ذلك :
قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ
أي : إسلام سليمان
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ النمل : 44 ] ، فما انقادت لسليمان ، وإنّما انقادت للّه ربّ العالمين ، وسليمان من العالمين ، فما تقيّدت في انقيادها كما لا تتقيّد الرّسل في اعتقادها في اللّه ، بخلاف فرعون فإنّه قال :
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
[ الأعراف : 122 ] ، وإن كان يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجة ، لكن لا يقوى قوّته فكانت أفقه من فرعون في الانقياد للّه ] .
ثم أشار إلى ظهور هذا العلم في بلقيس عند إسلامها ، وسببه مثل ظهور الخوارق في